تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
شرح
عن الجمهور بهذا الاحتمال ، ومنهم من أوجب لهم الإيمان مع عدم المعرفة المشروطة عند أولئك ، وأي الآراء أحق بالحق وأولى بالصواب ؟ ليس من غرضنا في هذا الموضع وإنما غرضنا تقييد ما أشاعه في الأحياء أهل الغلو والإغلاء ، فلا نفتح مثل هذا الباب وقد أبدينا وجه ذلك في مراقي الزيف ما يغني فيها بإذن اللّه تعالى . فصل بقي في أصناف أهل الإعتقاد تفصيل آخر من جهة أخرى ، وهو من تتمة ما مضى فلتعلم أن ما منهم صنف إلا وله على التقريب ثلاثة أحوال ، لا يستبد أحدهم عن أحدها بحكم الاحتمال الضروري : فأحد الحالات لهم أن يعتقد أحدهم جميع أركان الإيمان على ما يكمل عليه في الغالب لكنه على طريق التقليد كما سبق . الحالة الثانية : أن لا يعتقد إلا بعض الأركان مما فيه خلاف إذا انفرد ولم ينضف إليه في اعتقاده سواه هل يكون به مؤمنا أو مسلما مثل أن يعتقد وجود الواحد فقط ، أو يعتقد أنه موجود حي لا غير ، وأمثال هذه التقديرات ويخلو عن اعتقاد باقي الصفات خلوا كاملا لا يخطر بباله ، ولا يعتقد فيها حقا ولا باطلا ولا صوابا ولا خطأ ، ولكن القدر الذي اعتقده من الأركان مواف للحق غير مشوب بغيره . الحالة الثالثة : أن يعتقد الوجود كما قلنا أو الوجود والوحدانية والحياة ، ويكون فيما يعتقده في باقي الصفات على ما لا يوافق الحق بما هو بدعة أو ضلالة وليس بكفر صراح ، فالذي يدل عليه العلم ويستنبط من ظواهر الشرع أن أرباب الحالة الأولى واللّه أعلم على سبيل نجاة ومسلك خلاص ووصف إيمان وإسلام ، وسواء في ذلك الصنف الأول والثاني من أهل الإعتقاد ، ويبقى الصنف الثالث على محتمالات النظر كما نبهناك عليه . وأما أهل الحالة الثانية ، فالمتقدمون من السلف لم يشتهر عنهم في صورة هذه المسألة ما يخرج صاحب هذا العقد عن حكم الإيمان أو الإسلام والمتأخرون مختلفون ، وكثير خاف أن يخرج من اعتقد وجود اللّه عز وجل وإظهار الإقرار به وبنبيه صلّى اللّه عليه وسلم من الإسلام ، ولا يبعد أن يكون كثير ممن أسلم من الأجلاف والرعيان وضعفاء النساء والأتباع هذا عقده بلا مزيد عليه ، والحكم على من هو بمثل هذا بالخلود في النار عسير جدا مع ثبوت الشرع بأنه من قال : « لا إله إلا اللّه » دخل الجنة . وأما أرباب الحالة الثالثة ، وهي اعتقاد المبتدعة في الصفات أو في بعضها فإن حكما بصحة ايمان أهل الحالة المذكورة قبل هذه وإسلامهم حققنا أمر هؤلاء فيما اعتقدوه ، إذ لم يقعوا فيه بوجه قصد بقطعهم عن اتصال العذر ، لأن هؤلاء قد حصل لهم في العقد ما هو شرط الخلاص والنجاة من الهلاك الدائم وأصيبوا فيما وراء ذلك ، فإن أمكن ردهم في دار الدنيا وزجرهم عنه إن أظهروا التمنع عن الإقلاع والرجوع بالعقوبة المؤلمة دون قتل كان ذلك ، وإن ماتوا فالموت لم يقصر بهم