تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
شرح
بهذا المقام فنقول : أرباب الفن الثالث في التوحيد وهم المقربون على ثلاثة أصناف على الجملة ، وكلهم نظروا إلى المخلوقات فرأوا علامات الحدوث فيها لائحة ، وعاينوا حالات الافتقار إلى المحدث عليها واضحة ، وسمعوا جميعها يدل على توحيده وتفريده راشدة ناصحة ، ثم رأوا اللّه عز وجل بإيمان قلوبهم وشاهدوه بغيب أرواحهم ولاحظوا جلاله وجماله يخفي أسرارهم ، وهم مع ذلك في درجات القرب على حظ وكلهم إنما عرفوا اللّه عز وجل بمخلوقاته ولسبب انقسامهم في المعرفة اختلفت أحوالهم في الخوف والرجاء والقبض والبسط والفناء والبقاء ، وإنما سموا بالمقربين لبعدهم عن ظلمات الجهل وقربهم من نيرات المعرفة والعلم ، فلا أبعد من الجاهل ولا أقرب من العارف العالم ، والبعد والقرب هنا عبارتان عن حالتين على سبيل التجوز في لسان الجمهور ، وعلى الحقيقة عند المستعلمين لهما في هذا الفن إحدى الحالتين : عمى البصيرة وانطماس القلب ، وخلوه عن معرفة الرب سبحانه فسمي هذا بعدا مأخوذا من البعد عن محل الراحة وموضع العمارة والأنس والانقطاع في مهامه الفقر وأمكنة الخوف ، والحالة الثانية عن إيقاد الباطن واشتعال القلب وانفساح الصدر بنور اليقين والمعرفة والعقل وعمارة السر بمشاهدة ما غاب عنه . فصل

[ توحيد الصديقين ]

المرتبة الرابعة : وهو توحيد الصديقين وهم قوم رأوا اللّه تعالى وحده ، ثم رأوا الأشياء بعد ذلك به ، فلم يروا في الدارين غيره ولا اطلعوا في الوجود على سواه ، وأهل هذه المرتبة في حال حصولهم فيها صنفان : مريدون ومرادون ، فالمريدون في الغالب لا بدّلهم أن يحلوا في المرتبة الثالثة وهي توحيد المقربين ، ومنها ينتقلون وعليها يعبرون إلى المرتبة الرابعة واللّه أعلم . وأما المرادون ، فهم في الغالب مبتدئون بمقامهم الأخير وهي المرتبة الرابعة ومتمكنون فيها ، ومن أهل هذه المقام يكون القطب والأوتاد والبدلاء ، ومن أهل المرتبة الثالثة يكون النجباء والنقباء والشهداء والصالحون واللّه أعلم . فإن قلت : أليس الوجود يشترك فيه الحادث والقديم والمألوه والإله ، ثم المعلوم أن الإله واحد والحوادث كثيرة ، فكيف صاحب هذه المرتبة يرى الأشياء شيئا واحدا أذلك على طريق قلب الأعيان ، فيقول : الحوادث قديمة ثم يتحد بالواحد فترجع هي هو ، وفي هذا من الاستحالة والمروق عن مصدر العقل ما يغني عن إطالة القول فيه ، وإن كان على طريق التخييل للولي لما لا حقيقة له ، فكيف يحتج به أو يعد حالا لولي أو فضيلة لبشر . والجواب عن ذلك أن الحادث لم ينتقل إلى القديم ولم يتحد بالفاعل ولا اعترى الولي تخييل فتخيل ما لا حقيقة له ، وإنما هو ولي مجتبى وصديق مرتضى خصه اللّه بمعرفته على سبيل اليقين والكشف التام وكشف لقلبه ما لو رآه ببصره عيانا ما ازداد يقينا ، وإن أنكرت أن يكون وهب اللّه المعرفة على هذا السبيل لأحد من خلقه ما أعظم مصيبتك وما أعظم العزاء فيك حين قست الخلق بمقدارك وكلتهم بمعيارك وفضلت نفسك على الجميع ، إذ لا سبيل لإنكارك إن صح إلا