تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
فكلما اهتزت لملاحظة كنه الجلال غشيها من الدهش ما أغبر في وجه العقل وبصيرته ، وكلما همت بالانصراف آيسة نوديت من سرادقات الجمال صبرا أيها الآيس عن نيل الحق بجهله وعجلته ، فبقيت بين الرد والقبول والصدّ والوصول غرقى في بحر معرفته ، ومحترقة بنار محبته ، والصلاة على محمد خاتم الأنبياء بكمال نبوّته ، وعلى آله وأصحابه سادة الخلق وأئمته ، وقادة الحق وأزمته وسلم كثيرا . أما بعد ؛ فإنّ المحبة للّه هي الغاية القصوى من المقامات والذروة العليا من الدرجات ، فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها وتابع من توابعها كالشوق والأنس
شرح
غشيها من الدهش ) والحيرة ( ما اغبر في وجه العقل وبصيرته ) يشير بذلك إلى السبيل المسدود في المعرفة إلا في حق اللّه تعالى وهو السبيل الحقيقي الذي قال المصنف في المقصد الأسنى في حقه : إنه لا يهتز أحد من الخلق لنيله وإدراكه إلا ردته سبحات الجلال إلى الحيرة ، ولا يشرئب أحد لملاحظته إلا غطى الدهش طرفه . ( وكلما هممت بالانصراف ) عن تلك الملاحظة حالة كونها ( آيسة ) أي قاطعة أملها في النيل والإدراك ( نوديت من سرادقات الجمال ) وأصل السرادقات ما يدار حول الخيمة بلا سقف ( صبرا : أيها الآيس عن نيل الحق بجهله وعجلته ) فالإنسان خلق من عجل وجبل بوصف الجهل وهو وصف له ذاتي ، فبجهله إذا تمكن لا يدرك غور الأمور ، وبعجلته قد يفوته الفوز بالسرور ، ولو صبر وتأنى لنال ما تمنى ، ( فبقيت بين الرد والقبول والصد والوصول غرقى في بحر معرفته ) غير متنفسة ولا غائبة وهذا هو مقام الفرق من ثمرات المحبة ( ومحترقة بنار محبته ) والمحبة فرع من المعرفة ، فمن لم يعرف لم يحب ، ولذلك أخر ذكر المحبة بعد المعرفة ، ( والصلاة ) والسلام ( على ) سيدنا ( محمد خاتم الأنبياء ) والمرسلين وجودا كما أنه فاتحهم نشأة ( بكمال نبوته ) وتمام رسالته ، ( وعلى آله وأصحابه سادة الخلق ) أي رؤسائهم ( وأئمته ) الذين يقتدى بهم ( وقادة الحق وأزمته ) جمعا قائد وزمام ، فالقائد هو رئيس القوم ، والزمام ما تزم به الناقة أي تحبس وهو كالخطام أي هم يقودون أهل الحق إلى الحق ويزمونهم عن الميل إلى ضده ، ( وسلم كثيرا ) . ( أما بعد : فإن المحبة للّه تعالى هي الغاية القصوى من المقامات والذرة العليا من الدرجات ) ، وهو الثامن من مقامات اليقين ، وعند أبي طالب المكي هو التاسع منها ، وذلك لأنه قدم ذكر مقام الرضا على مقام المحبة ، وعكسه المصنف فقدم ذكر المحبة على مقام الرضا . قال صاحب القوت : المحبة من أعلى مقامات العارفين وهي إيثار من اللّه لعباده المخلصين ومعها نهاية الفضل العظيم ، ( فما بعد إدراك المحبة مقام ) أو حال ( إلا وهو ثمرة من ثمارها وتابع من توابعها كالشوق والإنس والرضا وأخواتها ) مما يضاف إليها ، فما يضاف إلى الأنس القرب والسكينة والطمأنينة والانبساط والغيرة ، ومما يضاف إلى الشوق الوجد والقلق والدهش والهيمة والتمكين ، ولها ثمار أخر لا يطلع عليها السالك حتى يعثر عليها فلا مطمع في الانتهاء ، وللمحبة