تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي نزه قلوب أوليائه عن الالتفات إلى زخرف الدنيا ونضرته ، وصفى أسرارهم من ملاحظة غير حضرته ، ثم استخلصها للعكوف على بساط عزته ، ثم تجلى لهم بأسمائه وصفاته حتى أشرقت بأنوار معرفته ، ثم كشف لهم عن سبحات وجهه حتى احترقت بنار محبته ، ثم احتجب عنها بكنه جلاله حتى تاهت في بيداء كبريائه وعظمته ،
شرح
ولقد أرخيت فيه أعنة الإفصاح مع الاختصار التام ، وآثرت التخفيف لا التطفيف لئلا تكل عن مطالعته أفهام الخواص والعوام ، واللّه تعالى أستعينه فيما أروم وأستهديه إنه هو القادر المجيب لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب . قال المصنف رحمه اللّه تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم ( الحمد للّه الذي نزه قلوب أوليائه ) هم الموالون بولايته المحبون له لذاته المستهترون بذكره المهيمون في محبته ( ونزهها ) أي قدسها وطهرها ( عن الالتفات إلى متاع الدنيا ) هو اسم لما يستمتع الإنسان به من اعراضها ( ونضرته ) أي زينته وبهجته والضمير راجع إلى المتاع ، وفي بعض النسخ إلى زخرف الدنيا ونضرته والزخرف الزينة كما قال تعالى :حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها[ يونس : 24 ] ( وصفى ) من التصفية وهو التخليص ( أسرارهم ) جمع سر بالكسر وهو ألطف من الروح وهو محل المشاهدة كما أن الروح محل المحبة والقلب محل المعرفة ( عن ملاحظة غير حضرته ) والملاحظة النظر باللحاظ وهو مؤخر العين وبين حضرته ونضرته تجانس ، ( ثم استخلصها ) أي اتخذ تلك الأسرار خالصة ( للعكوف ) أي الإقبال والاقتصار والملازمة ( على بسائط عزته ) ، وأصل البساط الأرض الواسعة الأرجاء والعزة الغلبة الآتية على كلية الظاهر والباطن ، ( ثم تجلى لها ) أي لسرائرهم وفي نسخة لهم ( بأسمائه وصفاته ) أي بمعانيها وامتيازها عن الذات بقدر ما يتصور في حقهم ، وأصل التجلي ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب ( حتى أشرقت بأنوار معرفته ) وهو السبيل المفتوح للخلق وفيه تتفاوت مراتبهم ، ( ثم كشف لهم عن سبحات وجهه ) أي جلاله وعظمته وبهائه ( حتى احترقت بنار محبته ) أشار به إلى الخبر الوارد المتقدم بذكره : « إن للّه سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره » ( ثم احتجب عنها بكنه جلاله حتى تاهت ) أي حارت ( في بيداء ) أي صحراء ( كبريائه وعظمته ، فكلما اهتزت ) أي تحركت ( لملاحظة كنه الجلال