تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
شرح
الرزاق ، أي إنه لا يطالبهم أن يرزقوا نفوسهم إذا خدموه ، فذكر اللّه في هذه الآية الوجوه الثلاثة من تصرف العبيد التي أباحها للموالي ، ثم اختار لنفسه أحدها وهو الخدمة وعليه الكفاية ، واختار من العبد أحدها فجعلها عديدة وتنزه عن أحدها وتعالى عنه وهو الإطعام من العبيد له ، وصرف عموم العبيد في الوجه الثالث من الإطعام لأنفسهم وهو التكسب وضرب هذا مثلا بينه وبين خلقه في الأرض وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ، فبقي العبيد من اللّه بحكمين : أحدهما مع اختياره لنفسه من العبادة وهي المعاملة وعليه الرزق كيف شاء ومتى شاء ، وهؤلاء عبيد الرحمن لا عبيد الدنيا ، والثاني ما صرف العبيد من التكسب لأنفسهم جعل ذلك رزقا منهم لهم بجوارحهم ومدحهم على هذا الوصف ، وهؤلاء عموم العبيد منهم عبيد الدنيا وعبيد الهوى ، وبقي الموالي مع العبيد على الأحكام الثلاثة التي أباحها لهم وضرب بها المثل بينها وبينهم إن هم اختاروه كان ذلك لهم . فصل التوكل على اللّه لا يمنع دخول اللصوص ولا يمنع الاقتداء للبلوى بمحو الدار والاختيار للمعروفين الاختيار ، وقد قال أبو يزيد قدس سره وهو من أعلى المتوكلين : ما سافرت في قافلة قط إلا قطع على الطريق ، وقال آخر من نظرائه : ما خرجت في سفر قط ومعي سبب إلا سلط اللّه من يأخذه حتى أبقى مع اللّه باللّه مجردا بلا سبب ، فهذه آيات يرد اللّه أولياءه إليه في تسليطات يدلهم بها عليه ليرجعوا إليه ، فالتوكل على اللّه تعالى في الأسباب لا يوجب بقاءها للعبد ولا إيثاره بها ولا حفظها عليه ، ولا يقدم شيئا عن شيء ولا يؤخره لصلاح دنيا أو إختيار عبد ، بل هو إلى الإذهاب والإتلاف أقرب لأن التوكل قرين للزهد وثمرته فهو يرد المتوكل إلى أصله ، وذلك وصف صادقي المتقين ، ولولا الامتحان لكثر الصادقون ، ولولا الإخراج من المعتاد والمألوف لكثر الصالحون فإذا كان مقام المتوكل الرضا بجريان القضاء والمحبة لمواقيع البلاء لم يبال بقي ماله وسلم سببه الذي توكل عليه عنه أو عطب ، إذ كان محبة وكيله فيه ورضاه به فما عرضه من موافقة محبته وحلاوة رضاه فضل من إتلاف نفسه ودنياه . فصل المتوكلون على درجات منهم من توكل على اللّه تعالى تعظيما وإجلالا ، ومنهم من توكل عليه ثقة به وتنزيها له ، ومنهم من توكل عليه يقينا بوعده لتحقيق صدقه ، ومنهم من توكل عليه حبا له ، ومنهم من توكل عليه استسلاما لما شهد من قرب عزه وعظيم قدره ، ومنهم من توكل عليه خوفا منه ، ومنهم من توكل عليه لحسن ظنه به وصدق رجائه له ، ومنهم من توكل عليه تسليما له من جميل معاملته ، ومنهم من توكل عليه ليحفظه فيما استحفظه فيما له عليه ، ومنهم من توكل عليه لقيامه بشهادته عن حسن معرفته وكلهم توكل عليه لأن توحيده له وشهادة قيوميته ذلك يقتضيه ؛ فهذه كلها مواجيد أوليائه ومنهاج أحبابه عن مشاهدة القرب ومعرفة القريب ، وبعضها أعلى مقاما
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 299 | مرتضى الزبيدي