تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
شرح
أحدهم : صنف اعتقدوا مضمون ما أقروا به وحشوا به قلوبهم من غير ترديد ولا تكذيب أسروه في أنفسهم ، ولكنهم غير عارفين باستدلال على ما اعتقدوه ، وذلك لفرط بعدهم وغلظ طبائعهم واعتياص طرق ذلك عليهم ويقع عليهم اسم موحدين ، وتحققنا وجود أمثالهم كثيرا على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم والسلف الصالحين ، ثم لم يبلغنا أنه اعترض أحد إسلامهم ولا أوجب عليهم الخروج منه والمروق عنه ، ولا كلفوا مع قصوره وبعدهم عن فهم ذلك بعلم الأدلة وقراءة طرق البراهين وترتيب الحجاج ، بل تركوا على ما هم عليه ، وهؤلاء عندي معذورون ببعدهم ومقبولون بما توافقوا عليه من إقرارهم وعقدهم ، واللّه تعالى قد عذرهم مع غيرهم بقوله تعالى :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ البقرة : 286 ] ولا يخرجون عن مقتضى هذه الآية بحال ، وسنبدي طريقا من الإعتقاد تعرف صحة إسلامهم وسلامة توحيدهم إن شاء اللّه تعالى . الصنف الثاني : اعتقدوا الحق مع ما ظهر منهم من النطق ، واعتقدوا إلى ذلك أنواعا من المخايل قام في نفوسهم أنها أدلة وظنوها براهين وليست كذلك ، وقد وقع في هذا كثير ممن يشار إليه فضلا من دونهم ، فإن وقع إلى هذا الصنف من يزعزع عليهم تلك المخايل بالقدح ويبطلها عليهم بالمعارضة والاعتراض لم يلتفتوا إليه ولا أصغوا إلى ما يأتي به ويترفعوا أن يجاوبوه لما يحملون عليه من سوء الفهم أو رداءة الإعتقاد ، وعندهم أن جميع تلك المخايل في باب الإستدلال أرسخ من شوامخ الجبال ، فمنهم من يعتقد دليله مذهب شيخه الرفيع القدر المطلع على العلوم ومنهم من يكون دليله خبر آحاد ، ومنهم من يكون دليله بعض محتملات آية وحديث صحيح ، ولعمري أنه لينبغي إذا صادفوا السنّة باعتقادهم ولم يقعوا في شيء من الضلال أن يتركوا على ما هم عليه ولا يحركوا بأمر آخر ، بل يغبطوا بذلك ويسلم لهم لئلا يكونوا إذا تتبع الحال معهم ربما تلقفوا شبهة ورسخ في نفوسهم بدعة يعسر انحلالها أو يقع في تكفير مسلم أو تضليله بلا سبب كبير ، وهؤلاء أثبت إيمانا من الصنف الأول وأوثق باطا منهم وأحسن حالا . الصنف الثالث : أقروا واعتقدوا كما فعل الذين من قبلهم وقد عدموا العلم أيضا ، ولكن لعدم سلوكهم سبيله من القدرة عليه ، ومعهم من الذكاء والفطنة والتيقظ ما لو نظروا لعلموا ، ولو استدلوا لتحققوا ولو طلبوا لأدركوا سبيل المعارف ووصلوا ، ولكنهم آثروا الراحة ومالوا إلى الدعة واستبعدوا طريق العلم واستثقلوا الأعمال الموصلة إليه وقنعوا بالقعود في حضيض الجهل ، فهؤلاء فيهم إشكال عند كثير من الناس في البديهة وتردد وفي حالهم نظر وهل يسمون عصاة ، وغير ذلك مما يحتاج لأي تمييز آخر ليس هذا مقامه ، والالتفات إلى هذا الصنف أوجب خلاف المتكلمين في العوام من غير تفريق بين بليد بعيد ومتيقظ فطن ، فمنهم من لم ير أنهم مؤمنون ولكن لم يحفظ عنهم إطلاق اسم الكفار عليهم ، ومنهم من أوجب لهم الإيمان ، ولكن أوجب عليهم المعرفة وقدرها لهم وعجزهم عن العبارة ووجوب العبارة في الشرع ساقط على هذا النحو ، وهؤلاء لا يخالفوا المذكورين قبلهم لأن أولئك سلبوا الإيمان عمن لم يصدر اعتقاده عن دليل ، وهؤلاء أوجبوا الإيمان لمن أضافوا إليه المعرفة المشروطة في صحة الإيمان ، وإنما فروا عن الشناعة الظاهرة فتستروا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 27 | مرتضى الزبيدي