شرح
إياي تعبد لم تؤثر هواك على رضاي ، ولو كنت بي تستعين لم تسكن إلى جلدك وقوّتك ولا إلى مالك .
فصل
قال أبو تراب النخشبي : ليس التوكل أن تتوكل لتكفى ، ولو عرض ذلك للمتوكلين لتابوا ، ولكن تحل بقلبه الكفاية باللّه فصدق اللّه فيما ضمن فألقى الكفن بين يديه . وقال الخواص : بلغنا أنه التقى موسى والخضر عليهما السلام وكان موسى أشد جوعا من الخضر ، فإذا غزالان قد سقط أحدهما مشويا إلى الخضر وسقط الآخر مذبوحا بجلده ورأسه إلى موسى ، فقال له الخضر : قم يا موسى فبقدر ما بقي في نفسك من الاهتمام برزقك تتعب ، فاعلم أني أنا توكلت فكفيت وأنت اهتممت فعنيت . ويروى من طريق آخر قال موسى للخضر : كيف هذا وقع إليك نصفه مشويا ووقع نصفه لي نيئا فقال له الخضر : إنه لم يبق لي في هذه الدنيا أمل . وفي رواية : ليس لي في هذا الخلق حاجة . وكان بشر رحمه اللّه تعالى قصير الأمل لم يكن يأمل البقاء من وقت صلاة إلى وقت صلاة أخرى ، وكان إذا صلى الظهر يقول للجيران : اطلبوا لكم من يصلي لكم العصر ، وكان يقول : أنا ضيف في دار مولاي إن أطعمني أكلت متى أطعمني وإن أجاعني صبرت حتى يطعمني .
فصل
قال الخواص : الرزق ليس فيه توكل ولو كان لا ينال الرزق إلا بالتوكل كان الضعيف ومن لا يحسن التوكل يموت ، يصحح ذلك قوله تعالى :وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ[ العنكبوت : 60 ] فهذا الخطاب من اللّه لخلقه يقتضي من الخلق ترك حمل الأرزاق لوقت لم يأت لطيفة من اللّه دعاهم منها إلى مواضع الراحة من الاشتغال بحمل ما قد ضمنه لهم وتوكل باستخراجه إليهم وحجة منه عليهم ألزمهم إياها ، وقوله تعالى بالضمان لا رزاق الخلقاللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْيقتضي السكون إليه بالثقة به فيما ضمن وتكفل باستخراجه والصبر على وعده حتى يخرج إليه المضمون من أماكنه . قال : ففي هذا دليل على تجويز الحركة والسبب للمتوكل ، وأن ذلك لا ينقص توكله إذ الدابة المرزوقة باللّه من اللّه وقد تدب وتتسبب إلى مواضع الرزق ، وقد تدخر النملة والفأرة وهما من الدواب وقد يجمع بعض الطير في عشه ويجلب إلى وكره ، لكن يحتاج المتوكل في دبيبه وحركته وذخره بمعنى النملة إلهاما وتوفيقا ونظرا إلى الوكيل بمعقول وتدبير ، وكذلك القول في التمثيل الوارد في الخبر السابق : « تغدو خماصا وتروح بطانا » فالطير وإن لم يكن من وصفها أن تحمل ولا من فعلها أن تدبر وتعقل فإنها تتحرك وتقصد لقوله « تغدو » فغدوها تسبب وقصدها أماكن معاشها تعيش ، وقد أضاف الرازق إليه وجمع بيننا وبينه فيه فقال :وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ[ الحجر : 20 ] الهوام والأنعام فعمنا وإياها بالتحمل إلينا بأن المعايش في الأرض منه علينا إنعام .