شرح
فصل
قال الخواص الذي قيد أن يسرح في الأرض حيث شاء قلة تصديقه بمجيء الأرزاق إليه حيث كان وضعف علمه بأن اللّه معه في كل مكان ، وإن اللّه تعالى يضيق حيث يشاء ويوسع حيث يشاء ويؤمن حيث يشاء ويخيف حيث يشاء ، فمن كان ناظرا إلى اللّه فيما يفتح له أسباب الرزق معتمدا عليه في استخراجه كان البر والبحر والسفر والحضر عليه سواء ، لأن من تولى اللّه كفايته في الحضر تولى كفايته في السفر ، ومن كان معتمدا على تكلفه وحيلته لم يتهيأ أن يفارق العمران ، ولو أن عبدا مع مولاه في السفر لكان قلبه قد سكن إليه أن يطعمه حيث سافر معه ، وهكذا من علم أن اللّه سبحانه معه لم يحتج أن يحمل زادا ولا أداوة ، ويصحح ذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم للسائل وقد أعطاه تمرة : « لو لم تأتها لأتتك » دلالة على ترك الحركة وتوبيخا في حركته بعد حجة الضمان لمجيء الأرزاق لوقتها ونهيا له عن السعي إلا ما وقع التصديق بمجيئه لوقته . قال صاحب القوت : وهذا طريق الأقوياء الصابرين ، وليس هذا طريق الضعفاء المريدين ، إذ لا يقاس الضعيف الجزوع بالقوي الصبور وإن منهم إبراهيم الخواص ، وأبو تراب النخشبي ، وذو النون ، وحاتم الأصم ، وعلي الرازي ، فإن هؤلاء خصوص المتوكلين وما جرى لهم من الوقائع يدل على أحوالهم .
فصل
قال الخواص : الاستطاعة على ثلاثة وجوه : أعلاها استطاعة بقوة المعرفة وصحة التوكل ، وهذه الطائفة نفذت بصدق موكلها لم تعرج على سبب ولا استأذنت أحدا ولا يقع الاستئذان إلا من ضعف المعرفة وقلة الهداية ، وكل من استأذن فالرفق به أولى كما في الخبر : « اعقلها وتوكل » .
والاستطاعة الأخرى قوة البدن والصبر على المشي والضر ، والثالثة بسعة المال ، فمن لم يكن عنده أحد هذه الوجوه ، فليتوقف عن الحج والزاد مباح للعموم إلا أن اللّه تعالى قد دل على خير الزاد بقوله : « فإن خير الزاد التقوى » فمن تزود التقوى نجا ولم يخف في طريقه لأن اللّه مع الذين اتقوا ومن التقوى أن لا يقول العبد : غدائي من أين لقول الحق :وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[ الطلاق : 2 ، 3 ] وقال وهب ، يقول اللّه تعالى : ابن آدم اتق ونم حيث شئت ، فالرزق ليس فيه توكل ، وإنما فيه تدبر ويقوى على قدر معرفته بما صبر له ولمن صبر ، ومعنى الصبر حبس النفس على الوعد بمجيء المضمون ، ومنعها من الحركة والتطلع إلى مجيئه حتى يسوق اللّه الأقسام من أماكنها ، فمتى رجع الصابر إلى سبب يبتدئ فيه بالحركة من نفسه فقد خرج من حالة الصبر ضيقا من تحمل مؤنته ، وهذا مقام المؤمن القوي من المتوكلين .
فصل
قال صاحب القوت : أخبرني أبو بكر بن يعقوب الوراق عن إبراهيم الخواص أنه كان يقول :
إن سمع المتوكل خلفه بحركة شديدة فتجرد لها قلبه خرج من حدّ هذا التوكل المخصوص التفت إليها أو لم يلتفت ، وهكذا لو طالت أيامه بالسير في البرية إذا كان فيها واستعان في مسيره بعكازة