تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
شرح
يتوكأ عليها أو منطقة يشد بها وسطه أو يغير عليه عند رؤية قطاع الطريق ولم يكونوا عنده كسائر الناس ، وهذا إن وجد في قلبه الميل إلى الخلقان دون الجد خرج في جميع هذا من حد التوكل . وقال أيضا : أكثر الخلق تعلقوا بالأسباب ، فإذا صحت المعرفة للّه بالقلب سكن القلب إلى ما في الغيب أشد من سكونه إلى ما في اليد من الأسباب الظاهرة لأن ما في يد العبد لا يدري ما يحدث اللّه فيه ، وماله عند اللّه هو الباقي يأتي به على أوقاته ، فإن كان القلب قويا عند زوال الدنيا وإدبارها متبرما بما في اليد منها صح التوكل ، وإذا ضعفت المرآة في القلب ركن القلب إلى الأسباب وخاف من زوالها قبل أن تزول ، فإن زال منها شيء لحق القلب الجزع والتغير من خوف الفقر . فصل قال السري رحمه اللّه تعالى في قوله تعالى :وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً[ الفرقان : 74 ] أن المتقي يكون رزقه من كسبه لأن اللّه تعالى يقول :وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[ الطلاق : 3 ] فكأنه يقول : اجعلنا إماما للمتوكلين الذين أرزاقهم لا من اكسابهم ، بل من حيث لا يحتسبون وهؤلاءهم أهل الصفوة والصفاء الصوفيون الذين توكلوا على اللّه للّه باللّه لا في الأرزاق ولا في العالم يد عليهم من الإرفاق كما قال قائلهم : الدنيا فانية والآخرة باقية والأرزاق مفروغ منها ، فعلى ما ذا أتوكل إنما أتوكل عليه أن لا يبعدني من قربه . وقال بعضهم : الاعتماد على الخلق هو الخذلان ومن اعتمد بسوى ربه في توكله خاب سعيه . فصل ويستوي عند الخصوص بعين يقينهم ما جاءهم بواسطة أيديهم وأسباب كسبهم ، وما جاءهم بأيدي غيرهم وبغير كسبهم إذ كان المعطي عندهم واحدا والعطاء كله رزقا فإذا كانت الأيدي ظروف العطاء فسواء كان الظرف يدك أو يد غيرك وسواء كان السبب كسبك أو كسب سواك لك ، إذ جميعه رزقك . ومثل هذين أيضا يستوي عندهم ما ظهر بيد القدرة لا خلق فيه ولا واسطة به ، وما ظهر بأيديهم من الحركة وترتيب العرف والعادة لأن القدرة أيضا بمنزلة ظرف للعطاء ظهر العطاء بها كأيدي العباد من يد الإنسان نفسه أو يد غيره ، فهذه المعاني الثلاثة عند الموقنين الموحدين سواء لا يترجح بعضه على بعض لرجحان إيمانهم وقوة يقينهم ونفاذ مشاهدتهم إذ كله حكمة بالغة وقدرة نافذة على حكم واحد وقادر واحد . فصل الأسواق موائد الإباق يطعم المولى منها من أبق من خدمته وهرب من مجالسته ووهن عن معاملته وجبن في متاجرته ، أما سمعت قول اللّه عز وجل :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ[ الذاريات : 56 ، 57 ] أي ما أريد أن يرزقوا خلقي إن اللّه هو