تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
شرح
فصل قال سهل في معنى قول اللّه تعالى :يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ[ الرعد : 39 ] يمحو الأسباب من قلوب العارفين ويثبت القدرة ، ويمحو المشاهدة ، من قلوب الغافلين ويثبت الأسباب في صدورهم . وقال : خلق اللّه النفس متحركة ثم أقرها بالسكون ، وهذا هو الابتلاء فإن تداركها بالعصمة سكنت وهذا هو خصوص ، وإن تركها تحركت بطبعها وهذا هو الخذلان . وكان الخواص يفرق بين العموم والخصوص بوجود الحركة والسكون فقال : القلوب على حالين فمن دامت حركته وسعيه كان موصوفا بنفسه لغلبة النفس عليه لقوله تعالى :وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا[ الإسراء : 17 ] ومن دام سكونه كان موصوفا بالحق لغلبة شاهد الحق في سكينته لقوله تعالى :أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[ الرعد : 28 ] وقال النهرجوري في معناه : قلوب الأولياء مواضع المطالع لا تتحرك ولا تنزعج ، بل تطمئن خوفا أن يرد عليه مفاجأة مطالعة فتجده مترسما بسوء الأدب . وقال بعض أهل المعرفة في تأويل قوله تعالى :وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى[ طه : 131 ] قال : هو التوكل لأنه أبقى للعبد من الطلب وخير له من السعي والتعب ، ويروى أن اللّه تعالى أوحى إلى بعض الصديقين أدرك لي لطف الفطنة وخفي اللطف فإني أحب ذلك . قال : يا رب وما لطف الفطنة ؟ قال : إن وقعت عليك ذبابة فاعلم أني أوقعتها فسلني أرفعها . قال : وما خفي اللطف ؟ قال : إن أتتك فولة مسوّسة فاعلم أني ذكرتك بها . وكان الخواص يقول : من رجع عند الشدائد إلى سبب أو علاج يستشفي به أو حركت رهبة المخلوقين صفته فقد برئ من خصوص التوكل ويبقى مع عمومه . وقال السري رحمه اللّه تعالى : ثلاث يستبين بهن اليقين : بالخوف مواطن الهلكة ، والتسليم لأمر اللّه عند نزول البلاء ، والرضا بالقضاء عند زوال النعمة . وقال يوسف بن إسباط : كان يقال ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه : من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى باطل ، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق ، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له . وقد روي ذلك مسندا . فهذه أوصاف المتوكل وهي علامة حسن اليقين . وقال داود لابنه سليمان عليهما السلام : يا بني يستدل على تقوى العبد بثلاث : حسن توكله فيما يأتيه ، وحسن رضاه فيما أتاه ، وحسن صبره فيما فاته . فصل لا يضر التصرف والتكسب ممن صحّ توكله ولا يقدح في مقامه ولا ينقص حاله إذا أحكم فيه معنيين النظر إلى الوكيل في أول الحركة فيكون متحركا به ، والرضا في الحكم بعد التصرف فيكون مطمئنا إليه ، وقد كان الصانع بيده أحب إليهم من التاجر ، والتاجر أحب إليهم من البطال ، فإن كان حال المتوكل التصرف فيما قد وجه فيه دخل في الأسباب وهو ناظر إلى المسبب في تصريفه معتمد عليه واثق به في حركته مكتسب فيما يقلبه فيه مولاه متيقن فيما يسببه له ويوجهه فيه وكيله ، وهو عالم بإذن اللّه تعالى قد أودع الأشياء منافع خلقه وجعلها خزائن حكمته ومفاتيح رزقه ، مجتمع الخلق بجانبه غير متشتت بتفرق همه متبع للسنة والأثر ، تارك للترفه والنعمة ، فهو في تكسبه وتصرفه أفضل ممن دخلت عليه العلل في توكله فساكنها وسكن إلى سكون نفسه في بطالتها
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 294 | مرتضى الزبيدي