تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
شرح
لمصنوع دخيلة لعلمه بسبق الصنع لدوام مشاهدته ، ولا يسكن إلى عادة عن خلق ، ولا يثق بمعتاد من مخلوق إذا يقن برزقه وضره ونفعه من أحد ، فهذه المعاني من فرض التوكل ، فإن وجدت في عبد خرج بها من حدّ التوكل دون فضائله ويدخله في ضعف اليقين ، وقد كان الأقوياء إذا دخل عليهم شيء من هذه الأهواء المفسدة لتوكلهم قطعوا تلك الأسباب وحسموا أصولها واعتقدوا تركها وعملوا في مفارقة الأوطان وفي التغرب عن الأمصار الآلاف والإيلاف ، فأخرجوا ذلك حيث دخل عليهم ووضعوا عليه دواءه وضده من حيث تطرق إليهم حتى ربما فارقوا ظاهر العلم وخالفوا علماء الظاهر إلى علوم الباطن ، ومقتضى مشاهدتهم ومواجيد حالهم لئلا تسكن قلوبهم إلى غير اللّه ولا تقف همتهم مع السلوى ، ولا تطمئن نفوسهم إلى غيره ، ولا يتخذوا سكنا سواه ولا يسكنون إلى هوى النفس فيخدعوا بسكونها عن سكون القلب ، فيسبي ذلك عقولهم ويوهن عزمهم ويضعف يقينهم الذي هو الأصل فيخسروا رأس المال وتفوتهم حقيقة الحال فما ذا يربحون وبأي شهادة يقومون ؟ فصل وقال بعضهم : التوكل هو الفرار من التوكل أي يتوكل ولا ينظر إلى توكله أنه لأجله يكفي أو يعافى ، فجعل نظر حال توكله علته لا أن توكله يلزمه الفرار منها حتى يدوم نظره إلى الوكيل وحده بلا خلل ويقوم له بشهادة منه بلا ملل ، ولا يكون بينه وبين الوكيل شيء ينظر إليه أو يعوّل عليه أو يدل حتى التوكيل أيضا الذي هو طريقه ، وجاء رجل إلى بشر الحافي فقال : إني عزمت على السفر إلى الشام وليس عندي زاد فما ترى ؟ فقال : يا هذا أخرج فيما قصدت له فإن لم يعطك ما ليس لك لم يمنعك مالك . وشكا رجل إلى الفضيل حاله فقال : يا هذا أمدبرا غير اللّه تريد ؟ وقال حسن في تفسير قوله تعالى :وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها[ فصلت : 10 ] خلق الأرزاق قبل الأجسام بألفي عام فالمتوكل لا يطالب مولاه برزق غد كما لا يطالبه مولاه بعمل غد . ويقال : من اهتم برزق غد فهي خطيئة تكتب عليه . وقال الثوري : الصائم إذا اهتم في أول النهار بعشائه كتبت عليه خطيئة ، وكان أبو سهل يقول : لنقص ذلك من صومه . وقال : أعرف في البصرة بقرة يغدي على مولاهم برزقهم من الجنة وعشيا يرون منازلهم من الجنة وعليهم من الغموم والكروب ما لو قسم على أهل البصرة لماتوا . قيل : ولم ؟ قال : كانوا إذا تغدوا قالوا بأي شيء نتعشى وإذا تعشوا قالوا بأي شيء نتغدى ؟ وقال مرة : لم يكن لي من التوكل والرضا نصيب . فهذه المقامات من فضائل التوكل وفوقها ما لا يصلح رسمه في كتاب من مكاشفات الصديقين ومشاهدات العارفين . منها : أنه أعطاهم كن بإعطائه إياهم فزهدوا في كون كن لأجل كان توكلا على كينونة الكينات وحياء منه أن يعارضوه في قدرته أو ينازعوه في ملكه أو يرغبوا عن تقديره أو يضاهوه في كونه لأن تدبيره عندهم أحكم وأتقن وهو بالعواقب أعلم وأخبر وهم له أشد إجلالا مما نقدر نحن ونعلم .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 293 | مرتضى الزبيدي