شرح
وقال صاحب القوت : حدثونا عن بعض السلف قال : رأيت بعض العباد من أهل البصرة في المنام فقلت : ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي وأدخلني الجنة فقلت : أي الأعمال وجدت هناك أفضل ؟ قال : التوكل وقصر الأمل . وفي وصية لقمان : ومن الإيمان باللّه التوكل على اللّه ، وأن التوكل يحبب العبد إلى اللّه وأن التفويض إلى اللّه من هدي اللّه وبهدي اللّه يوافق العبد رضوان اللّه ومن موافقة العبد رضوان اللّه يستوجب كرامة اللّه . وكان سهل يقول : العلم كله باب من التعبد ، والتعبد كله باب من الورع ، والورع كله باب من الزهد ، والزهد كله باب من التوكل . وقال : ليس للتوكل حدّ ولا غاية ينتهي إليه . وقال : التوكل واليقين مثل كفتي الميزان والتوكل لسانه به يعرف الزيادة والنقصان . وقال : التوكل هو التفويض ثم الرضا ، وكان الحسن يقول : الغنى والعز يجولان في طلب التوكل فإذا ظفر به وطناه وفي هذا المعنى قيل :يجول الغنى والعز في كل موطن * ليستوطنا قلب امرئ إن توكلا
ومن يتوكل كان مولاه حسبه * وكان له فيما يحاول معقلا
إذا رضيت نفسي بمقدور حظها * تعالت وكان أفضل الخلق منزلاويقال : إن الخوف من المخلوقات عقوبة نقصان الخوف من الخالق ، فإن ذلك من قلة الفقه عن اللّه وضعف التوكل عليه . وقال ابن يعقوب السوسي : المتوكل إذا رأى السبب أو ذم أو مدح فهو مدع لا يصح له التوكل . وقال الخواص : التوكل هو الاكتفاء بعلم اللّه فيك من تعلق القلب بسواه .
وقال عامر بن عبد اللّه : قرأت ثلاث آيات من كتاب اللّه استغنيت بهن على ما أنا فيه ، فاستغنيت بقوله تعالى :وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ[ يونس : 107 ] قلت : إن أراد أن يضرني لم يقدر أحد أن ينفعني ، وإن أعطاني لم يقدر أحد أن يمنعني . وقوله سبحانه :فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ[ البقرة : 152 ] فاستغنيت بذكره عن ذكر من سواه وقوله تعالى :وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[ هود : 6 ] فو اللّه ما هممت برزقي منذ قرأتها فاسترحت . وقال سهل : ليس مع الإيمان أسباب إنما الأسباب في الإسلام يعني ليس في حقيقة الإيمان رؤية الأسباب والسكون إليها ، وإنما رؤيتها والطمع في الخلق يوجد في مقام الأسباب فحال المتوكل سكون القلب عن الإستشراك ، وقطع الهم عن التطلع لما بأيديهم ، وعكوف القلب على المدبر الحق مشغول الفكر بقدرة لا يحمله عدم الأسباب على ما حذره العلم عليه وذمه ولا يمنعه أن يقول الحق وأن يعمل أو يوالي في اللّه ويعادي فيه جريان الأسباب على أيدي الخلق ، فيترك الحق حياء منهم أو طمعا فيهم أو خشية قطع المنافع المعتادة ، ولا يدخله طوارق الحاجات ونوازل الضرورات في الإنحطاط في أهواء الناس والميل إلى الباطل أو في السكوت عن حق أن يلزمه ، أو يوالي عدوا أو يعادي وليا ليرى بذلك حاله عندهم ، أو يشكر بذلك ما أسدوه إليه بالكف عنهم ولا يرى الصنعة التي قد عرف بها لقوة نظره إلى الصانع ، ولا يتصنع