شرح
الحلاج : المتوكل المحق لا يأكل وفي البلد من هو أحق به منه ، وسئل سهل عن التوكل فقال : قلب عاش مع اللّه بلا علاقة . وقال يحيى بن معاذ : لبس الصوف حانوت والكلام في الزهد حرفة وصحبة القوافل لغرض ، وهذه كلها علاقات وجاء رجل إلى الشبلي يشكو إليه كثرة العيال فقال له : ارجع إلى بيتك فمن ليس له رزق على اللّه فاطرده عنك وبسنده . قال إبراهيم الخواص : كنت في طريق مكة فرأيت شخصا وحشيا فقلت : جني أم إنسي ؟ فقال : جني فقلت : إلى أين ؟ فقال إلى مكة . فقلت : بلا زاد ؟ فقال : نعم فينا أيضا من يسافر على التوكل ، فقلت : إيش التوكل ؟
فقال : الأخذ من اللّه . وبسنده إلى أبي حمزة قال : إني لأستحيي من اللّه أن أدخل البادية وأنا شبعان ، وقد اعتقدت التوكل لئلا يكون شبعي على الشبع زادا أتزوده ، وسئل حمدون عن التوكل فقال : تلك حالة لم أبلغها بعد ، فكيف يتكلم في التوكل من لم يصح له حال الإيمان ؟ وعن بعضهم قال : كنت في البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدامي واحدا فسارعت حتى أدركته فإذا هو امرأة بيدها ركوة وعكاز تمشي على التؤدة فظننت أنها أعيت فأدخلت يدي في جيبي فأخرجت عشرين درهما فقلت : خذيها وامكثي حتى تلحقك القافلة لتكتري بها ، ثم ائتيني الليلة حتى أصلح لك أمرك فقالت بيدها هكذا في الهواء ، فإذا في كفها دنانير من الغيب وناولتني وقال : أنت أخذت الدراهم من الجيب وأنا أخذت الدنانير من الغيب ورأى أبو سليمان الداراني رجلا بمكة لا يتناول إلا شربة من ماء زمزم فمضى عليه أيام فقال له أبو سليمان يوما : أرأيت لو غارت زمزم إيش كنت تشرب ؟ فقام وقبل رأسه وقال : جزاك اللّه خيرا حيث أرشدتني فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام ومضى . وقال إبراهيم الخواص : رأيت في طريق الشام شابا حدثا حسن المراعاة فقال لي : هل لك في الصحبة ؟ فقلت : إني أجوع . فقال : إن جعت جعت معك فبقينا أربعة أيام ففتح علينا بشيء فقلت : هلم . فقال : اعتقدت أن لا آخذ بواسطة ، فقلت : يا غلام دققت . فقال : يا إبراهيم لا تبهرج فإن الناقد بصير مالك والتوكل ، ثم قال : أقل التوكل أن ترد عليك موارد الفاقات فلا تسمو نفسك إلا إلى من إليه الكفايات ، وسئل الحرث المحاسبي عن المتوكل هل يلحقه طمع ؟
فقال : يلحقه من طريق الطباع خطرات ولا تضره شيئا ويقويه على إسقاط الطمع اليأس عما في أيدي الناس ، وقيل : جاع الثوري في البادية فهتف به هاتف أيما أحب إليك سبب أو كفاية ؟
فقال : الكفاية ليس فوقها نهاية ، فبقي سبعة عشر يوما لم يأكل وبسنده إلى الحسن الخياط قال :
كنت عند بشر الحافي فجاءه نفر فسلموا عليه فقال : من أنتم ؟ فقالوا : نحن من الشام جئنا نسلم عليك ونريد الحج ، فقال : شكر اللّه لكم فقالوا تخرج معنا قال بثلاث شرائط لا نحمل معنا شيئا ولا نسأل من أحد شيئا وإن أعطانا أحد لا نقبل ، فقالوا : أما أن لا تحمل فنعم ، وإما أن لا نسأل فنعم ، وإما أن لا نقبل إن أعطينا فهذا ما لا نستطيع . فقال : أخرجتم متوكلين على زاد الحجاج ، وقيل لحبيب العجمي : لم تركت التجارة ؟ فقال : وجدت الكفيل ثقة ، وقيل : من وقع في ميدان التفويض يزف إليه المراد كما تزف العروس إلى أهلها ، والفرق بين التفويض والتضييع أن التفويض في حقك وهو محمود ، والتضييع في حق اللّه وهو مذموم انتهى ما في الرسالة .