ومجاهد أنهما قالا : يكتب على المريض أنينه في مرضه وكانوا يكرهون أنين المريض لأنه إظهار معنى يقتضي الشكوى حتى قيل : ما أصاب إبليس - لعنه اللّه - من أيوب عليه السلام إلا أنينه في مرضه ، فجعل الأنين حظه منه .
شرح
وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حبيب بن أبي ثابت أن يعقوب عليه السلام كان قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، فكان يرفعهما بخرقة ، فقيل له : ما بلغ هذا ؟ قال : طول الزمان وكثرة الأحزان ، فأوحى اللّه إليه : يا يعقوب أتشكوني ؟ قال : خطيئة أخطأتها فاغفر لي .
وروى ابن أبي حاتم عن نصر بن عزلى قال : بلغني أن يعقوب عليه السلام لما طال حزنه على يوسف ذهبت عيناه من الحزن فجعل العوّاد يدخلون عليه فيقولون : السلام عليك يا نبي اللّه كيف تجدك ؟ فيقول : شيخ كبير قد ذهب بصري فأوحى اللّه إليه يا يعقوب شكوتني إلى عوادك ؟
قال : أي يا رب هذا ذنب عملته لا أعود إليه ، فلم يزل بعد يقول : إنما أشكو بثي وحزني إلى اللّه .
وروى إسحاق بن راهويه في تفسيره وابن أبي الدنيا في الفرح بعد الشدة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني في الأوسط ، وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الشعب من حديث أنس : كان ليعقوب عليه السلام أخ مؤاخ فقال له ذات يوم : يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك ، وما الذي قوس ظهرك ؟ قال : أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف ، وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين ، فأتاه جبريل عليه السلام فقال : يا يعقوب إن اللّه عز وجل يقرئك السلام ويقول لك :
أما تستحي تشكوني إلى غيري ؟ فقال يعقوب : إنما أشكو بثي وحزني إلى اللّه ، فقال جبريل اللّه أعلم بما تشكو . الحديث .
( وروي عن طاوس ومجاهد ) رحمهما اللّه تعالى وهما من كبار التابعين ( إنهما قالا : يكتب على المريض أنينه في مرضه ) كذا في القوت .
قلت : وقد روي هذا مرفوعا من حديث علي : « يكتب أنين المريض فإن كان صابرا كان أنينه حسنات وإن كان أنينه جزعا كتب هلوعا لا أجر له » . أبو نعيم .
( وكانوا يكرهون أنين المريض لأنه إظهار معنى يقتضي الشكوى ) ولفظ القوت : يدل على الشكوى ، ( حتى قيل ما أصاب إبليس لعنه اللّه من أيوب عليه السلام إلا أنينه في مرضه فجعل الأنين حظه ) أي حظ الشيطان ( منه ) كذا في القوت ، وهذا إذا كان جزعا وتسخطا وكراهية لما قدره اللّه تعالى عليه ، كما فهم ذلك من حديث علي السابق لا مطلق الأنين فإن المريض قد يضطر إليه وهو مع ذلك راض بقلبه مطمئن النفس بما قدره اللّه عليه صابر غير متسخط ، كيف وقد ورد أنين المريض تسبيح وصياحه تهليل ونفسه صدقة ونومه على الفراش عبادة وتقلبه من جنب إلى جنب كأنما يقاتل العدو في سبيل اللّه ؟ يقول اللّه سبحانه لملائكته : « اكتبوا لعبدي أحسن ما يكون يعمل في صحته فإذا قام ثم مشى كان كمن لا ذنب له » رواه الخطيب والديلمي من حديث أبي هريرة وقالا رجاله معروفون بالثقة إلا حسين بن أحمد البلخي فإنه مجهول .