والشكوى من اللّه تعالى حرام كما ذكرته في تحريم السؤال على الفقراء إلا بضرورة .
ويصير الاظهار شكاية بقرينة السخط وإظهار الكراهة لفعل اللّه تعالى ، فإن خلا عن قرينة السخط وعن النيات التي ذكرناها فلا يوصف بالتحريم ، ولكن يحكم فيه بأن الأولى تركه لأنه ربما يوهم الشكاية ، ولأنه ربما يكون فيه تصنع ومزيد في الوصف على الموجود من العلة ، ومن ترك التداوي توكلا فلا وجه في حقه للإظهار لأن الاستراحة إلى الدواء أفضل من الاستراحة إلى الإفشاء ، وقد قال بعضهم : من بث لم يصبر . وقيل في معنى قوله :
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
[ يوسف : 83 ] لا شكوى فيه ، وقيل ليعقوب عليه السلام : ما الذي أذهب بصرك ؟ قال : مرّ الزمان وطول الأحزان ! فأوحى اللّه تعالى إليه : تفرغت لشكواي إلى عبادي ، فقال : يا رب أتوب إليك . وروي عن طاوس
شرح
لحاله وهو داخل في ( شكاية ) المولى ، ( والشكوى من اللّه حرام كما ذكرته في تحريم السؤال عن الفقر إلا لضرورة ، ويصير الإظهار شكاية بقرينة السخط وإظهار الكراهة لفعل اللّه تعالى ، فإن خلت عن قرينة السخط وعن النيات التي ذكرناها فلا يوصف بالتحريم ولكن يحكم فيه بأن الأولى لنا تركه لأنه ربما يوهم الشكاية ) من اللّه تعالى ، ( ولأنه ربما ) لا يؤمن من دخول الآفات عليه في الأخبار بأن ( يكون فيه تصنع وتزيد في الوصف على الموجود في العلة ) وغير ذلك ، ( ومن ترك التداوي توكلا فلا وجه في حقه للإظهار لأن الاستراحة إلى الدواء أحسن من الاستراحة إلى إفشاء ) ولفظ القوت : لأن في الشكوى استراحة للنفس من البلوى والاستراحة بالدواء الذي هو إباحة المولى خير من استراحته إلى العبيد بالشكوى ، ( وقد قال بعضهم : من بث ) أي أظهر ما بلي به ( لم يصبر ) أي لم يكن من الصابرين ، فإن الصبر يقتضي عدم البث .
قلت : وهذا قد روي مرفوعا . روى عبد الرزاق وابن جرير عن مسلم بن يسار عن سعد بن مسعود رفعه مثله ، ورواه ابن المنذر ، وابن مردويه عن عبد الرحمن بن يعمر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فذكر مثله . ورواه ابن مردويه من حديث عبد اللّه بن عمر مثله . وروى ابن عدي والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر : « من كنوز البر كتمان الصدقة وكتمان المصيبة ومن بث لم يصبر » .
( وقيل في قوله تعالى :فَصَبْرٌ جَمِيلٌ )وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُقال : ( لا شكوى فيه ) ، كذا في القوت . روى ابن أبي حاتم عن الحسن قال : الصبر الجميل الذي ليس فيه الشكوى إلا إلى اللّه عز وجل . وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حيان بن أبي جبلة قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن قوله :فَصَبْرٌ جَمِيلٌقال : ليس في جزع . ( قيل ليعقوب عليه السلام : ما الذي أذهب بصرك ) وحتى ظهرك ؟ ( قال : مرّ الزمان وطول الأحزان ) قال :
( فأوحى اللّه إليه تفرغت بشكواي ) وفي نسخة تشكوني ( إلى عبادي ) وفي نسخة إلى خلقي .
( قال : يا رب أتوب إليك ) هكذا في القوت ، وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد