تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
شرح
آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ[ البقرة : 14 ، 15 ] . الصنف الرابع : قوم لم يعرفوا التوحيد ولا نشأوا عليه ولا عرفوا أهله ولا سكنوا بين أظهرهم ، ولكنهم حين وصلوا إلينا أو وصل أحد منا إليهم خوطبوا بالأمر المقتضي للنطق بالشهادتين والإقرار بهما قالوا : لا نعلم مقتضى هذا اللفظ ولا نعقل معنى المأمور به من النطق ، وأمروا أن يظهروا الرضا بالقول ثم يتفهموا بمهلة فسكنوا إلى ما قيل لهم ونطقوا بالشهادتين ظاهرا وهم على الجهل بما يعتقدون ، وإن اخترم أحد منهم من حينه من قبل أن يتأتى استفهام أو تصور يمكن أن يكون له معتقدا ، فهذا يرجى أن لا تضيق عنه سعة رحمته تعالى والحكم عليه بالنار والخلود فيها مع الكفار تحكم على غيب اللّه تعالى ، وربما كان من هذا الصنف في الحكم عند اللّه عز وجل قوم رزقوا بعد الفهم وغيب الذهن وفرط البلادة أن يدعوا إلى النطق فيجيبوا مساعدة ومحاكاة ثم يدعوا إلى تفهم المعنى من كل وجه ، فلا يتأتى منهم قبول لما يعرض عليهم تفهيمه كأنما يخاطب بهيمة ، ومثل هذا أيضا في الوجود كثير ولا حكم على مثله بخلود في النار ، ولا يبعد أن يكون مع هذا الصنف بأسره . أعني المخترم قبل تحصيل العقد مع هذا البليد البعيد بعض من ذكره النبي صلّى اللّه عليه وسلم في حديث الشفاعة ، فيخرج من النار أقواما لم يعملوا حسنة قط ويدخلون الجنة وتكون في أعناقهم سمات ويسمون عتقاء اللّه ، والحديث فيه طول وهو صحيح . وإنما اختصرت منه قدر الحاجة على المعنى ، وحكم الصنف الأول والثاني والثالث أجمعين ، أعني أهل النطق المذكورين قبل في التوحيد أن لا تجب لهم حرمة ولا تكون لهم عصمة ولا ينسبون إلى إيمان ولا إسلام ، بل هم أجمعون من زمرة الكافرين وجملة الهالكين ، فإن عثر عليهم في الدنيا قتلوا فيها بسيوف الموحدين ، وإن لم يعثر عليهم فهم صائرون إلى جهنم خالدون فيها تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون . فصل ولما كان اللفظ المنبئ عن التوحيد إذا انفرد عن العقد وتجرد عنه لم يقع له في حكم الشرع منفعة ولا لصاحبه بسببه نجاة إلا مدة حياته عن السيف أن يراق دمه واليد أن تسلط على ماله ، إذ لم يعلم في حاله حسن أن يشبه بقشر الجوز الأعلى فهو لا يحمل في الأكمام ، ولا يرفع إلى البيوت ، ولا يحضر في مجالس الطعام ، ولا تشتهيه النفوس إلا ما دام منطويا على مطعمه صوانا على لبه ، فإذا أزيل عنه بكسر أو علم منه أنه منطو على فراغ أو سوس أو طعم فاسد لم يصلح لشيء ولم يبق فيه غرض لأحد ، وهذا لا خفاء لصحته والغرض بالتمثيل تقريب ما غمض إلى فهم الطالب وتسهيل ما اعتاص على المتعلم والسامع ، وليس من شرط المثال أن يكون مطابقا للممثل به من كل الوجوه فكان يكون هو هو ، ولكنه من شرطه أن يكون مطابقا للوجه المراد منه . فصل وأما الإعتقاد المجرد عن تحصينه بالعلم وتوثيقه بالأدلة وشده بالبراهين ؛ فقد انقسموا في الوجود إلى ثلاثة أصناف .