فله حكمه ، فقد ظهر بالمعاني التي أوردناها أن ترك التداوي قد يكون أفضل في بعض الأحوال ، وأن التداوي قد يكون أفضل في بعض ، وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والنيات ، وأن واحدا من الفعل والترك ليس شرطا في التوكل إلا ترك الموهومات كالكي والرقى ، فإن ذلك تعمق في التدبيرات لا يليق بالمتوكلين .
بيان أحوال المتوكلين في إظهار المرض وكتمانه : اعلم أن كتمان المرض وإخفاء الفقر وأنواع البلاء من كنوز البر وهو من أعلى
شرح
بحكمته ورحمته ، كما أن اللّه عز وجل هو المجيع المظمئ فيدخل الطعام والشراب على الجوع والعطش اللذين جعلهما فيذهبهما بما أدخل عليهما ، كما يدخل الليل على النهار ويدخل النهار على الليل فيغلب سلطان كل واحد على الآخر فيذهبه سواء هذا عند الموحدين من صفة الليل والنهار .
ومن العلل والأدوية بتسليط الشيء على ضده فيزيله بغلبة قهره بإذنه ، فالعلم بهذه المعاني عقدا هو الإيمان والشهادة لها قائمة به وجدا هو اليقين والشرك في هذه الأشياء في العوام أخفى من دبيب النمل على الصفا ، والموقنون الصحيحو التوحيد من جميع ذلك برآء ، فإن تعجل العليل البرء بالتداوي كان ذلك بقضاء اللّه وقدره على وصف السرعة من المعافاة ، فإن كان ناويا في تداويه واستعجال شفائه الطاعة لمولاه والقيام بين يديه للخدمة كان مثابا على ذلك فاضلا فيه غير منقوص في مقام توكله ، وإن أراد بذلك صحة جسمه لنفسه والنعيم بالعوافي ، فإن ذلك باب من أبواب الدنيا ودخول فيما أبيح منها وهو يخرجه من فضيلة التوكل وحقيقته بمقدار ما نقصه من الزهد في الحياة والنعيم ، وإن أراد باستعجال العوافي قوة النفس لأجل والهوى والسعي في مخالفة المولى كان مأزورا بسوء نيته ووجود عزيمته ويخرج من المباح إلى الحظر ، وذلك يخرجه من حد التوكل وأوله وهذا من مذموم أبواب الدنيا وممقوتها ، وإن كانت نيته في تعجيل العوافي التصرف للمعاش والتكسب للإنفاق أو الجمع نظر في شأنه ، فإن كان يسعى في كفاف وعلى عيلة ضعاف وعن حاجة وإجحاف لحق هذا بالطبقة الأولى ، وهذا باب من أبواب الآخرة وهو عليه مأجور ولا يخرجه من التوكل ، وإن كان يسعى في تكاثر وتفاخر ولا يبالي من أين كسب وفيما أنفق الحق هذا بالطبقة الثالثة من العاصين ، وهذا من أكبر أبواب الدنيا وما أبعده من المولى . فهذه نيات الناس في التداوي المحمودة والمذمومة .
( فقد ظهر بالمعاني التي أوردناها أن ترك التداوي قد يكون أفضل في بعض الأحوال ، وأن التداوي قد يكون أفضل في بعض ، وإن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والنيات وأن واحدا من الفعل أو الترك ليس شرطا في التوكل إلا ترك الموهومات ) التي هي ( كالكي والرقى ، فإن ذلك تعمق في التدبيرات لا يليق بالمتوكلين ) ، واللّه الموفق .