تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
فكذلك يستوي عنده مباشرة الأسباب وتركها لمثل هذه المشاهدة ، وإنما لم يترك استعمال الدواء جريا على سنة اللّه تعالى وترخيصا لأمته فيما تمس إليه حاجتهم مع أنه لا ضرر فيه بخلاف إدخال الأموال ، فإن ذلك يعظم ضرره . نعم التداوي لا يضر إلا من حيث رؤية الدواء نافعا دون خالق الدواء ، وهذا قد نهي عنه من حيث أنه يقصد به الصحة ليستعان بها على المعاصي ، وذلك منهي عنه . والمؤمن في غالب الأمر لا يقصد ذلك وأحد من المؤمنين لا يرى الدواء نافعا بنفسه ، بل من حيث أنه جعله اللّه تعالى سببا للنفع كما لا يرى الماء مرويا ولا الخبز مشبعا ، فحكم التداوي في مقصوده كحكم الكسب ، فإنه إن اكتسب للاستعانة على الطاعة أو على المعصية كان له حكمها وإن اكتسب للتنعم المباح
شرح
الأرض فأبى أن يقبلها ) هذا تقدم بلفظ : « عرضت عليه مفاتيح خزائن السماء وكنوز الأرض فردها ، ( فكذلك يستوي عنده مباشرة الأسباب وتركها لمثل هذه المشاهدة ، وإنما لم يترك استعمال الدواء جريا على سنة اللّه وترخيصا لأمته فيما تمس إليه حاجاتهم ) من الضروريات مع أنه لا ضرر فيه لأنه من أمور الآخرة ، ( بخلاف إدخار الأموال فإن ذلك يعظم ضرره . نعم التداوي لا يضر إلا من حيث رؤية الدواء نافعا دون خالق الدواء ، وهذا أمر نهي عنه ، ومن حيث أنه يقصد به الصحة ليستعان بها على المعاصي وذلك منهي عنه ) وكذلك إذا كان يستعان بالصحة على البطالة وإضافة العمر في الفضول فهذا أيضا قد نهي عنه ، ( فالمؤمن في غالب الأمر لا يقصد ذلك وأحد من المؤمنين لا يرى الدواء نافعا بنفسه ، بل من حيث أنه جعله اللّه سببا للنفع كما لا يرى الماء مرويا ولا الخبز مشبعا ، فحكم التداوي مقصوده كحكم الكسب ، فإنه إن اكتسب للاستعانة حتى على الطاعة أو على المعصية كان له حكمها وإن اكتسب للتنعم المباح فله حكمه ) . قال صاحب القوت : والأصل في التداوي وتركه أن المتوكل قد علم في توكله أن للعلة وقتا إذا انتهت إليه برأ العليل بإذن اللّه تعالى لا محالة ، ولكن اللّه عز وجل قد يحكم أنه إن تداوى شفاه في عشرة أيام وإن لم يتداو أبرأه في عشرين يوما . فيترخص العليل بإباحة اللّه له فيطمع في تعجيل البرء في عشرة أيام ليكون أسرع لشفائه وأقرب إلى عافيته على أنه معتقد أن الدواء لا يشفي وأن التداوي بعينه لا ينفع لأن اللّه تعالى هو الشافي وهو النافع ، فالشفاء والنفع فعله بعده وجعله في الدواء من لطائف حكمته لا يجعله سواه ولا يفعله إلا إياه إذا كانت العقاقير مطبوعة مجعولة مجبولة على خلقها ، فجاعل الأسباب فيها هو جابلها لأن الجعل فيها والخاصة منها ليس من عمل المتطبب وإن كان يعمل بها ويجمع بينها وبين العليل لأنه أظهر على يده سببا لرزقه ، فإن اللّه تعالى خالق جميع ذلك وفاعله ، وكذلك أيضا عند العارفين الخبز لا يشبع وأن الماء لا يروي ، كما أن المال لا يغني والعدم لا يفقر لأن اللّه سبحانه هو المطعم المسقي فهو المشبع المروي كما هو المغني المفقر بما شاء كيف شاء وهو جاعل الشبع والري في المطعوم والمشروب وفي النفس بالغنى والفقر
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 284 | مرتضى الزبيدي