تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
فإن قلت : ففي ترك التداوي فضل كما ذكرت ، فلم لم يترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم التداوي لينال الفضل ؟ فنقول : فيه فضل بالإضافة إلى من كثرت ذنوبه ليكفرها ، أو
شرح
الثاني : قال التاج السبكي : احتجوا بالقياس على الفرار من الأسد والعدوّ الذي لا يقدر على دفعه ، فإن الكفار وقطاع الطريق إذا قصدوا من لا طاقة لهم بهم جاز التنحي من بين أيديهم . ونقل فيه الكيا الهراسي الاتفاق فقال : لا نعلم خلافا في الجواز وإن كانت الآجال لا تزيد ولا تنقص ، والجواب أن السلامة من الأسد والعدو نادر والهلاك معهما كالمتيقن ، فصار كالقاء الإنسان نفسه في النار بخلاف الفرار من البلد الذي يقع به الطاعون فإن السلامة فيه كثيرة وإن لم تكن غالبة . الثالث : القياس على الخروج من الأرض المستوخمة كقصة العرنيين ، والجواب أن ذلك من باب التداوي وترك ما لا يوافق المريض من الأغذية والأهوية في تأثير المرض فكان الخروج من الأرض التي لا توافق مزاج المريض من باب التداوي . قال التاج السبكي : وعندي في هذا الجواب نظر . قال الحافظ ابن حجر : كان وجهه لقائل أن يقول : إن الطاعون أيضا ينشأ من فساد الأهوية فالخروج من البلد الذي يقع بها ينبغي أن يكون جائزا مطلقا كما جاز للعرنيّين ، وهذا يتمشى على القول بأن الطاعون من طعن الجن ، والحق أن خروج العرنيين لم يكن لقصد الفرار أصلا ، وإنما كان لمحض التداوي كما تقدم عن الطحاوي وكان خروجهم من ضرورة الواقع ، لأن الإبل ما كان تتهيأ إقامتها في البلد وإنما كانت في مراعيها ودواؤهم كان بألبانها وأبوالها واستنشاق تلك الروائح ، فكان الخروج عن البلد ضمنا لأمر محقق الوجود بخلاف الخروج من البلد الذي يقع فيه الطاعون إلى بلد آخر ، فإنه خروج إليه بالقصد لأمر مظنون إذ لا يؤمن من وقوع الطاعون في البلد الآخر . الرابع : قال الزركشي : احتجوا بالقياس على الفرار من المجذوم ، فروى البخاري من حديث أبي هريرة : « وفر من المجذوم كما تفر من الأسد » والجواب من وجهين . أحدهما : قال ابن الصلاح تبعا لغيره جامعا بين ما ظاهره التعارض من حديث أبي هريرة وهو : « لا يورد ممرض على مصح » وحديث : « فر من المجذوم فرارك من الأسد » مع حديث لا عدوى أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها ، ولكن اللّه تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا لأعدائه مرضه ، ثم قد يتخلف ذلك عن مسببه كسائر الأسباب . ثانيهما : ذكره ابن خزيمة والطحاوي وأصله لأبي عبيدة القاسم بن سلام ، وهو أن المصح قد يصيبه ذلك المرض فيقول الذي أورده : لو أني ما أوردته عليه لم يصبه من هذا المرض شيء ، والواقع أنه لو لم يورده لأصابه بتقدير اللّه عليه فنهى عن إيراده لهذه العلة التي لا يؤمن على الناس غالبا من وقوعها في قلوبهم واللّه أعلم . ( فإن قلت : ففي ترك التداوي فضل كما ذكرت ، فلم لم يترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم التداوي لينال الفضل ؟ فنقول : فيه فضل بالإضافة إلى من كثرت ذنوبه ليكفرها أو خاف على