تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
إهلاكهم . فهذه أمور دقيقة فمن لا يلاحظها وينظر إلى ظواهر الأخبار والآثار يتناقض عنده أكثر ما سمعه وغلط العباد والزهاد في مثل هذا كثير ، وإنما شرف العلم وفضيلته لأجل ذلك .
شرح
ووخز أعدائكم من الجن يخرج في آباط الرجال مراقها الفار منه كالفار من الزحف ومن صبر فيه كان له أجر شهيد » . ورواه هو أيضا وعبد بن حميد وابن خزيمة بلفظ : « والصابر فيه كالصابر في الزحف » . ( فهذه أمور دقيقة فمن لا يلاحظها وينظر إلى ظواهر الأخبار والآثار يتناقض عنده أكثر ما سمعه ، وغلط العباد والزهاد في مثل هذا ، وإنما شرف العلم وفضل لأجل ذلك ) ، ثم اعلم أن العلماء اختلفوا في أن النهي عن الخروج من البلد الذي يقع به الطاعون هل هو على ظاهره من التحريم أو للتنزيه على قولين : وربما استدل من قال : إنه نهي تحريم في بعض طرق الخبر السابق والفار منها كالفار من الزحف . قال ابن عبد البر : الطاعون موت شامل لا يحل لأحد أن يفر من أرض نزل فيها إذا كان من ساكنيها ولا أن يقدم عليه إذا كان خارجا عن الأرض التي نزل بها . وقال التاج السبكي في الجزء الذي جمعه في الطاعون : مذهبنا وهو الذي عليه الأكثر أنه للتحريم قال : وقال بعض العلماء : هو للتنزيه واتفقوا على جواز الخروج لشغل عرض غير الفرار قال : وليس محل النزاع فيمن خرج فارا من قضاء اللّه تعالى فذلك لا سبيل إلى القول بأنه غير محرم ، بل الظاهر أن محل النزاع فيما إذا خرج للتداوي . ورد عليه الحافظ ابن حجر في بذل الماعون بأن هذا ليس بظاهر لأن الخروج للتداوي ليس حراما في مذهب الشافعي وجماعة ، وهو قد صحح أن الخروج حرام ، فكيف يجعل محله ما إذا خرج للتداوي ، والخروج للتداوي ليس بحرام ، بل العبارة الصحيحة أن يقول محل النزاع فيما إذا خرج فارا من المرض الواقع مع اعتقاده أنه لو قدره اللّه عليه لأصابه ، وأن فراره منه لا ينجيه من قدر اللّه لكن يخرج مؤملا أن ينجو قال الحافظ : واحتج من أجاز الفرار بأمور . الأول : قال الطحاوي بعد أن أورد حديث : لا يورد مريض على مصح ذهب قوم لهذا ، وقالوا : إنما كره ذلك مخافة الأعداء وأقروا باجتناب ذي الداء والفرار منه ، واحتجوا برجوع عمر من سرغ بسبب الطاعون خشية أن يعديه من دخل عليه ، ثم أجاب الطحاوي بأن الأمر بترك القدوم عليه لو كان للخوف من أن يعدي كان لأهل الموضع الذي وقع فيه أيضا الخروج ، فلما منعوا ثبت أن المعنى الذي منعوا من القدوم عليه غيره وهو خوف أن يصيبه بتقدير اللّه فيقول : لولا أني قدمت هذه الأرض لما أصابني فأمر أن لا يقدم حسما للمادة ، وكذلك أمر أن لا يخرج من الأرض التي نزل بها البلاء ليسلم فيقول : لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها ، ولعله لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شيء فأمر بترك القدوم على الطاعون للمعنى الذي وصفنا .