انضاف إليه أمر آخر وهو أنه لو رخص للأصحاء في الخروج لما بقي في البلد إلا المرضى الذي أقعدهم الطاعون فانكسرت قلوبهم وفقدوا المتعهدين ، ولم يبق في البلد من يسقيهم الماء ويطعمهم الطعام وهم يعجزون عن مباشرتهما بأنفسهم ، فيكون ذلك سعيا في إهلاكهم تحقيقا ، وخلاصهم منتظر كما أن خلاص الأصحاء منتظر ، فلو أقاموا لم تكن الإقامة قاطعة بالموت ، ولو خرجوا لم يكن الخروج قاطعا بالخلاص وهو قاطع في إهلاك الباقين ، والمسلمون كالبنيان يشد بعضه بعضا والمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى إليه سائر أعضائه ، فهذا هو الذي ينقدح عندنا في تعليل النهي ، وينعكس
شرح
الأخبار السابقة ( لأنه انضاف إليه أمر آخر وهو أنه لو رخص لأصحابه في الخروج ) من البلد ( لما بقي في البلد إلا المرضى الذين أقعدهم الطاعون فانكسرت قلوبهم وفقدوا المتعهدين ) القائمين بخدمتهم من تحريض وتجهيز ، ( ولم يبق في البلد من يسقيهم الماء ويطعمهم الطعام وهم يعجزون عن مباشرتهما بأنفسهم فيكون ذلك ) الخروج ( سعيا في إهلاكهم تحقيقا وخلاصهم منتظر . كما أن خلاص الأصحاء منتظر ، فلو أقاموا لم تكن الإقامة قاطعة بالموت ، ولو خرجوا لم يكن الخروج قاطعا بالخلاص وهو قاطع في إهلاك الباقين ، والمسلمون كالبنيان يشد بعضهم بعضا ) وقد روى الشيخان والترمذي والنسائي وابن حبان من حديث أبي موسى والرامهرمزي في الأمثال من حديث أبي هريرة وأبي سعيد « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » . ( والمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى إليه سائر أعضائه ) رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير بلفظ : « المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى رأسه تداعى إليه سائر الجسد بالحمى والسهر » وفي لفظه له : « المسلمون كرجل واحد » . ورواه أحمد وأبو نعيم في الحلية بلفظ : « إن اشتكى رأسه اشتكى كله » ورواه الرامهرمزي في الأمثال بلفظ : « المسلمون كالرجل الواحد إن اشتكى عضو من أعضائه تداعى له سائر جسده » . وقد روي نحوه من حديث سهل بن سعد : « المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس » . رواه ابن المبارك وأحمد والروياني والطبراني وأبو نعيم في الحلية والضياء .
( فهذا هو الذي ينقدح عندنا في تعليل النهي ) . اعلم أن بعض أهل العلم ذكر أن النهي عن الخروج من البلد الذي وقع فيه الطاعون فرارا منه أمر تعبدي لا يعقل معناه إذ الفرار من المهالك مأمور به ، وقد صح النهي هنا فكان السر فيه لا تعلم حقيقته ، فالأولى فيه التسليم والامتثال .
وذهب كثيرون إلى التعليل وذكروا لذلك حكما . منها : ما ساقه المصنف هنا ، وحاصله أنهم لو تواردوا على الخروج لبقي من وقع به عاجزا عن الخروج فضاعت مصالح المرضى لفقد من