تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
هذا فيمن لم يقدم بعد على البلد فإنه لم يؤثر الهواء في باطنهم ولا بأهل البلد حاجة إليهم . نعم ، لو لم يبق بالبلد إلا مطعونون وافتقروا إلى المتعهدين وقدم عليهم قوم فربما كان ينقدح استحباب الدخول ههنا لأجل الإعانة ، ولا ينهي عن الدخول لأنه تعرض لضرر موهوم على رجاء دفع ضرر عن بقية المسلمين ، وبهذا شبه الفرار من الطاعون في بعض الأخبار بالفرار من الزحف لأن فيه كسرا لقلوب بقية المسلمين وسعيا في
شرح
يتعهدهم والموتى لفقد من يجهزهم ، ولما في خروج الأقوياء من كسر قلوب من لا قدرة لهم على الخروج . ومنها : أن الطاعون في الغالب يكون عاما في البلد الذي يقع به فإذا وقع الشخص بها ، فالظاهر مداخلة سببه له فلا يفيده الفرار منه ، بل إن كان أجله حضر فهو ميت سواء أقام أو رحل وكذا بالعكس ، ولهذا رجح أن تصرفات الصحيح في البلد الذي يقع فيه الطاعون كتصرفات المريض مرض الموت . ومنها : أن الخارج يقول : لو لم أخرج لمت ، ويقول المقيم : لو خرجت كما خرج فلان لسلمت فيقع في اللو المنهي عنها ، قال ابن عبد البر وروى عن ابن مسعود : « إن الطاعون فتنة للمقيم والخارج » . ومنها : زعم بعض أهل الطب أن الذي يقع به الوباء تتكيف أرواح أهله بكيفية هواء تلك الأماكن وتألفها أمزجتهم وتصير لهم بمنزلة الأهوية الصحيحة لغيرهم ، فإذا انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة الهواء لم يوافقهم ، بل إذا الهواء الصحيح ستصحب معه إلى القلب ما يجده من الأبخرة الردية التي حصل تكيف بدنه بها فيصل إلى القلب فيقع ذلك المرض الذي فر منه ، فمنع من الفرار منه من هذه الحيثية وهذا فيه نظر والمعتمد ما تقدم . ( وينعكس هذا فيمن لم يقدم بعد على البلد ، فإنه لا يؤثر الهواء في باطنهم ولا بأهل البلد حاجة إليهم ) في تعهد مرضاهم وموتاهم أي فليس له الدخول في ذلك البلد . ( نعم لو لم يبق في البلد إلا مطعون وافتقروا إلى المتعهدين وقدم عليهم قوم ، فربما كان ينقدح استحباب الدخول ههنا ) نظرا إلى افتقادهم ( لأجل الإعانة ) لهم ، ( أو لا ينهي عن الدخول لأنه تعرض لضرر موهوم على رجاء دفع ضرر عن بقية المسلمين ، ولهذا شبه الفرار من الطاعون في بعض الأخبار بالفرار من الزحف لأن فيه كسرا لقلوب بقية المسلمين وسعيا في إهلاكهم ) قال العراقي : رواه أحمد من حديث عائشة بإسناد جيد ومن حديث جابر بإسناد ضعيف وقد تقدم ا ه . قلت : أما حديث عائشة فلفظه عنده : « الطاعون غدة كغدة البعير المقيم بها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف » ورواه ابن عدي والطبراني في الأوسط بلفظ : « الطاعون شهادة لأمتي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 280 | مرتضى الزبيدي