تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
من المضر وترك التوكل في أمثال هذا مباح ، وهذا لا يدل على المقصود ، ولكن الذي ينقدح فيه - والعلم عند اللّه تعالى - أن الهواء لا يضر من حيث أنه يلاقي ظاهر البدن ، بل من حيث دوام الاستنشاق له ، فإنه إذا كان فيه عفونة ووصل إلى الرئة والقلب وباطن الأحشاء أثر فيها بطول الاستنشاق فلا يظهر الوباء على الظاهر إلا بعد طول التأثير في الباطن ، فالخروج من البلد لا يخلص غالبا من الأثر الذي استحكم من قبل ، ولكن يتوهم الخلاص فيصير هذا من جنس الموهومات كالرقي والطيرة وغيرهما ، ولو تجرد هذا المعنى لكان مناقضا للتوكل ولم يكن منهيا عنه ، ولكن صار منهيا عنه لأنه
شرح
من المضر وترك التوكل في أمثال هذا مباح ، فهذا لا يدل على المقصود ولكن الذي ينقدح فيه والعلم عند اللّه تعالى أن الهواء لا يضر من حيث أنه يلاقي ظاهر البدن ، بل من حيث دوام الإستنشاق له ، فإنه إذا كان فيه عفونة ) وتغير ( ووصل إلى الرئة والقلب وباطن الأحشاء أثر فيها بطول الإستنشاق فلا يظهر الوباء على الظاهر إلا بعد طول التأثير في الباطن . قال ابن سينا وغيره من حذاق الأطباء : الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن ، وأغلب ما يكون تحت الإبط وخلف الأذن وعند الأرنبة قال : وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد يستحيل إلى جوهر يفسد العضو ويغير ما يليه ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان ، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع ، واردأه ما يقع في الأعضاء الرئيسة ، ثم قال : والطواعين تكثر عند الوباء وفي البلاد الوبيئة ، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء ، وبالعكس قال : وأما الوباء فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده ، ولذلك لا يمكن حياة الإنسان بل جميع الحيوان بدون استنشاقه ، بل متى عدم الحيوان استنشاق الهواء مات . وقال ابن نفيس في الموجز : الوباء ينشأ عن فساد يعرض لجوهر الجواهر بأسباب سماوية أو أرضية ، فمن الأرضية الماء الآسن والجيف الكثيرة كما يقع في مواضع المعركة إذا لم تدفن القتلى والتربة الكثيرة التعفن وكثرة الحشرات والضفادع ، ومن السماوية كثرة السبب والرجوم في آخر الصيف وكثرة الجنوب والضياء في الكافونين ، وإذا كثر المطر في الشتاء ولم تمطر . ( فالخروج من البلد لا يخلص غالبا من الأثر الذي استحكم من قبل ، ولكن يتوهم الخلاص فيصير هذا من جنس الموهومات كالرقى والطيرة وغيرهما ، ولو تجرد هذا المعنى لكان مناقضا للتوكل ولم يكن منهيا عنه ) لأنه غير متيقن ، ( ولكن صار منهيا عنه ) كما في
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 278 | مرتضى الزبيدي