تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
شرح
صنف مبعد عن مقام هذا الكلام ، وأما من يوجد فيه فلا يخلو أن يكون مقلدا في عقده أو عالما به ، فالمقلدون هم العوام وهم أهل المرتبة الثانية في الكتاب ، وأما العلماء بحقيقة عقدهم فلا يخلو كل واحد منهم أن يكون بلغ الغاية التي أعدت لصنفه دون النبوة أو لم يبلغ ولكنه قريب من البلوغ ، فالذي لم يبلغ وكان على قرب هم المقربون وهم أهل المرتبة الثالثة ، والذين بلغوا الغاية التي أعدت لهم هم الصديقون وهم أهل المرتبة الرابعة ، وهذا تقسيم ظاهر الصحة إذ هو دائر بين النفي والإثبات ومحصور بين المبادئ والغايات ولم يدخل أهل المرتبة الأولى في شيء من تصحيح هذا التقسيم ، إذ ليس هو من أهله إلا بانتساب كاذب ودعوى غير صادقة ، ثم لا بدّ من الوفاء بما وعدناك به من ابداء بحث ومزيد شرح وبسط بيان تعرف منه بإذن اللّه تعالى حقيقة كل مرتبة ومقام وانقسام أهله فيه بحسب الطاقة والإمكان بما يجريه الواحد الحق على القلب واللسان . بيان أهل النطق المجرد وتمييز فرقهم : اعلم أن أرباب النطق المجرد أربعة أصناف : أحدهم : نطقوا بكلمة التوحيد مع شهادة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم لم يعتقدوا معنى ما نطقوا به لما لم يعلموه ولا تصوروا صحته ولا فساده ولا صدقه ولا كذبه ولا خطأه ولا صوابه ، إذ لم يبحثوا عليه ولا أرادوا فهمه إما لبعد همتهم وقلة اكتراثهم ، وإما لنفورهم عن البحث وخوفهم أنهم إن تكلفوا البحث عما نطقوا به أن يبدو لهم ما يلزمهم الإعتقاد والعمل وما بعد ذلك ، فإن التزموه فارقوا راحة أبدانهم العاجلة وفراغ أنفسهم ، وإن لم يلتزموا شيئا من ذلك وقد حصل لهم العلم فيكون عيشهم منغصا وملاذهم مكدرة من خوف عقاب ترك ما علموا لزومه ، فإذا سئل هذا الصنف عن معنى ما نطقوا به هل اعتقدوه ؟ فيقولون : لا نعلم فيه ما نعتقد وما دعانا إلى النطق به شيء إلا مساعدة الجماهير وانخراطنا بإظهار القول في الجم الغفير ، ولا نعرف هل ما قلناه بالحقيقة من قبيل العرف أو النكير . ولا شك أن هذا الصنف الذي أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن حالة مساءلة الملكين أحدهم في القبر إذ يقولان له : من ربك ومن نبيك وما دينك ؟ فيقول : لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ، فيقولان له : لا دريت ولا تليت ، وسماه النبي صلّى اللّه عليه وسلم الشاك والمرتاب . الصنف الثاني : نطقوا كما نطق الذين من قبلهم ولكنهم أضافوا إلى قولهم ما لا يحصل معه الإيمان ولا ينتظم به معنى التوحيد ، وذلك ما قالت السبائية طائفة من الشيعة القدماء أن عليا رضي اللّه عنه هو الإله ، وبلغ أمرهم عليا رضي اللّه عنه وكانوا في زمنه فحرق منهم جماعة وأمثال من نطق بالشهادتين كثيرا ، ثم صحب نطقه مثل هذا النكير ويسمون الزنادقة وهم في النار كما في الخبر . الصنف الثالث : نطقوا كما نطق الصنفان المذكوران قبلهم ، ولكنهم أسروا التكذيب واعتقدوا الرد واستبطنوا خلاف ما ظهر منهم من الإقرار ، وإذا رجعوا إلى أهل الإلحاد أعلنوا عندهم بكلمة الكفر ، فهؤلاء المنافقون الذين ذكرهم اللّه تعالى في كتابه بقوله :وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ