تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
شرح
لأجل اشتغاله بغيره كالعادة في سائر العلوم ، فهذا يسمى موحدا ويكون القصد بما يسمى به من ذلك المبالغة فيه . فهذا أربع مراتب يصح إطلاق اسم التوحيد عليها . فأما الصنف الأوّل وهم أرباب النطق المجرد فلا يضربون في التوحيد بسهم ولا يفوزون منه بنصيب ولا يكون لهم شيء من أحكام أهله إلا في الحياة الأولى ، إذ الظن بهم أن قلب أحدهم موافق للسانه كما نعيد القول عليه بعد هذا إن شاء اللّه عز وجل . وأما الصنف الثاني : وهم أرباب الإعتقاد الذين سمعوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم أو الوارث أو المبلغ يخبر عن توحيد اللّه عز وجل ويأمر به ، ويلزم البشر قول لا إله إلا اللّه المنبئ عنه فقبلوا ذلك واعتقدوه على الجملة من غير تفصيل ولا دليل فنسبوا إلى التوحيد ، فكانوا من أهله بمنزلة مولى القوم الذي هو منهم وبمنزلة من كثر سواد قوم فهو منهم . وأما الصنف الثالث والرابع : فهم أرباب البصائر السليمة الذين نظروا بها إلى أنفسهم ، ثم إلى سائر أنواع المخلوقات فتأملوها فرأوا على كل نوع خطا منطبعا فيها ليس بعربي ولا سرياني ولا عبراني ولا غير ذلك من أجناس الخطوط ، فبادر إلى قراءته من لم يستعجم عليه وتعلمه منهم من استعجم عليه ، فإذا هو الخط الإلهي المكتوب على صفحة كل مخلوق المنطبع فيه من مفرد ومركب وصفة وموصوف وحجر وجماد وناطق وصامت ومتحرك وساكن ومظلم ونير ، وهو الذي يسمى تارة بعلامة وتارة بسمة وتارة بأثر القدرة وتارة بآية ، كما قال الشاعر ولا أدري عن سماع أو رؤية قلب :فوا عجبا كيف يعصى الإله * أم كيف يجحده جاحد وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحدفلما قرأوا ذلك الخط وجدوا تفسيره حدوث المكتوب وشرحه أبدية ملكه والتصريف له بالقدرة على حكم الإرادة بما ثبت في سابق العلم من غير مزيد ولا نقص ، فتركوا الكتابة والمكتوب ونزلوا منها إلى معرفة الكاتب الذي أحدث الأشياء وكوّنها ، ولم يخرج عن ملكه شيء منها ولا استغنت بأنفسها عن حوله وقوته طرفة عين ولا أقل من ذلك ولا افتقرت إلى الحرية عن رق استعباده ، فوجدوه كما وصف نفسه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فحصلت التفرقة لهم والجمع وعقلت نفس كل واحد منهم توحيد خالقها بذاته واتحاده من غير وعقلت أنها عقلت توحيده ، سبحان من يسرها لذلك وفتح عليها بما ليس في وسعها أن تدركه إلا به وهو اللطيف الخبير ، لكن الصنف الثاني لم يعد كل منهم أن عرف نفسه موحدا لربه فيما لم يزل وهم المقربون ، والصنف الرابع لم يقصد كل واحد منهم أن عرف ربه موحدا بنفسه فيما لم يزل وهم الصديقون وبينهما تفاوت كثير ، وأما طريق معرفة صحة هذا التقسيم فلأن العقلاء بأسرهم لا يخلو كل واحد منهم أن يوجد في أثر التوحيد بأحد الأنحاء المذكورة عنده أو لا يوجد ، فأما من عدم عنده فهو كافر إن كان في زمن الدعوة أو على أقرب يمكن وصول عملها إليه ، أو في فترة لا يتوجه عليه فيها التكليف وهذا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 24 | مرتضى الزبيدي