تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
قال : إني عنهما مشغول ، وكلام أبي الدرداء إذ قال : إنما أشتكي ذنوبي ، فكان تألم قلبه خوفا من ذنوبه أكثر من تألم بدنه بالمرض ، ويكون هذا كالمصاب بموت عزيز من أعزته ، أو كالخائف الذي يحمل إلى ملك من الملوك ليقتل إذا قيل له : ألا تأكل وأنت جائع ؟ فيقول : أنا مشغول عن ألم الجوع ، فلا يكون ذلك إنكارا لكون الأكل نافعا من الجوع ولا طعنا فيمن أكل ، ويقرب من هذا اشتغال سهل حيث قيل له : ما القوت ؟ فقال : هو ذكر الحي القيوم . فقيل : إنما سألناك عن القوام ؟ فقال : القوام هو العلم . قيل : سألناك عن الغذاء ؟ قال الغذاء هو الذكر . قيل : سألناك عن طعمة الجسد ؟ قال : ما لك وللجسد . دع من تولاه أولا يتولاه آخرا إذا دخل عليه علة فردّه إلى صانعه ، أما رأيت الصنعة إذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها ؟ السبب الثالث : أن تكون العلة مزمنة والدواء الذي يؤمر به بالإضافة إلى علته موهوم النفع جار مجرى الكي والرقية فيتركه المتوكل ؛ وإليه يشير قول الربيع بن خيثم إذ قال : ذكرت عادا وثمود وفيهم الأطباء فهلك المداوي والمداوى . أي أن الدواء غير
شرح
اللّه عنه ( إذ قال : إني أشتكي ذنوبي ، فكان تألم قلبه خوفا من ذنوبه أكثر من تألم بدنه بالمرض ويكون هذا كالمصاب بموت عزيز من أعزته ) فإنه في شغل شاغل ، ( أو كالخائف الذي يحمل إلى ملك من الملوك ليقتل ) ، وتحقق ذلك ( إذا قيل له : ألا تأكل وأنت جائع ؟ فيقول : آنا مشغول عن ألم الجوع فلا يكون ذلك إنكارا لكون الخبز نافعا من الجوع ، ولا ) يكون ( طعنا فيمن أكل ، ويقرب من هذا اشتغال سهل ) التستري رحمه اللّه تعالى فيما نقله عنه صاحب القوت ( حيث قيل له : ما القوت ؟ قال : هو ذكر الحي القيوم ) الذي به الحياة والقوام لكل شيء ، ( فقيل : إنما سألناك عن القوام ) أي ما تقوم به البنية ؟ ( فقال : القوام هو العلم ) فإنه به تقوم الأعمال ، ( قيل : سألناك عن الغذاء ؟ قال : الغذاء هو الذكر ، قيل : سألناك عن طعم الجسد ) الذي هو الغذاء الظاهر ؟ ( قال : مالك وللجسد دع من تولاه أولا يتولاه آخرا إذا دخل عليه علة فرده إلى صانعه ) فهو أول من ينظر فيه ، ( أما رأيت الصنعة إذا عيبت ) بفساد ( ردوها إلى صانعها حتى يصلحها ) إذ هو يعرف فسادها من صلاحها ويعرف كيف يصلحها ، وهذا مقام التفويض والتسليم من التوكل . ( السبب الثالث : أن تكون العلة مزمنة ) مستمرة ( والدواء الذي يؤمر به بالإضافة إلى علته موهوم النفع ) غير متيقن ولا مظنون ( جار مجرى الكي والرقية فيتركه المتوكل ) إذ فيه تضييع العمر والمال في لا شيء ، ( وإليه يشير قول الربيع بن خيثم ) رحمه اللّه تعالى ( إذ قال : ذكرت عادا وثمود ) وكانت فيهم الأوجاع ( و ) كان ( فيهم الأطباء فهلك المداوي