المقام الثالث في التوحيد ، نطالبه بالمقام الرابع ، فهذه مقامات الموحدين في التوحيد على سبيل الاجمال .
شرح
الحلاج ( بالمقام الرابع ) الذي هو آخر المقامات فيه ، وكأنه شم من الخواص التفاتا لما أقيم فيه فنبهه على أن المقصود وراء ذلك ، ( فهذه مقامات الموحدين في التوحيد على سبيل الإجمال ) وقد اعترض على المصنف في تقسيمه لهذه المقامات ، وأجاب عنه وهذا لفظه في الاملاء : ذكرت رزقك ذكره وجعلك تعقل بهيبته وأمره كيف جاز انقسام التوحيد على أربع مراتب ، ولفظة التوحيد تنافي التقسيم المشهور كما ينافي التكرير بالتعديد ، وإن صح انقسامه على وجه لا يدفع فهل تصح تلك القسمة فيما يوجد وفيما يقدر ، ورغبت في مزيد البيان في تحقيق كل مرتبة وانقسام طبقات أهلها فيها ، وإن كان يقع بينهم التفاوت ، وما وجه تمثيلها بالجوز والقشور واللبوب ، ولم كان الأوّل لا ينفع والآخر الذي هو الرابع لا يحل إفشاؤه ، ثم ساق الأسئلة بتمامها ، ثم قال في الجواب ما لفظه : جرى الرسم في الاحياء بتقسيم التوحيد على أربع مراتب تشبيها بالجوز لموافقة الغرض في التمثيل به ، وذكر بأن المعترض وسوس بالخواطر بأن لفظ التوحيد ينافي التقسيم إذ لا يخلو ان يتعلق بلفظ الواحد الذي ليس بزائد عليه ، فذلك لا ينقسم لا بالحس ولا بالعقل ولا بغير ذلك ، وأما أن يتعلق بوصف المكلفين الذي يوجب لهم حكمهم إذ وجد فيهم ، فذلك لا ينقسم من حيث انتسابهم إليه بالعقد وذلك لضيق المجال فيه ، ولهذا لا تتصور فيه مذاهب ، وإنما التوحيد مسلك حق بين مسلكين باطلين : أحدهما شرك ، والآخر تلاش ، وكلا الطرفين كفر والوسط إيمان محض ، وهو أحدّ من السيف وأضيق من خط الظل ، ولهذا قال أكثر المتكلمين بتماثل إيمان جميع المؤمنين من الملائكة والنبيين والمرسلين وسائر عموم المسلمين ، وإنما تختلف طرق إيمانهم التي هي علومهم ومذهبهم في ذلك معروف ، ونحن لا نسلم في هذه الإجابة بشيء من انحاء الجدال ومقابلة الأقوال بالأقوال ، بل نقصد إزالة عين الإشكال ورد ما طعن به أهل الضلال والاضلال .
فاعلم أن التقسيم في الاطلاق يستعمل انحاء لا يتوجه ههنا بشيء مما قدح به المعترض وهجس به الخاطر ، وإنما المستعمل ههنا من أنحائه ما يتميز به بعض الاشخاص بما اختص به من الأحوال ، وكل حالة منها يسمى توحيدا على جهة ينفرد بها لا يشاركها فيها غيرها ، فمن وحد بلسانه سمي لأجله موحدا ما دام الظن به إن كان قلبه موافقا للسانه ، وإن علم منه خلاف ذلك سلب عنه الاسم وأقيم عليه ما شرع من الحكم ، ومن وحد بقلبه على طريق الركون إليه والميل إلى اعتقاده والسكون نحوه بلا علم يصحبه فيه ولا برهان يربطه به سمي أيضا موحدا على معنى أنه يعتقد التوحيد ، كما يسمى من يعتقد مذهب الشافعي شافعيا والحنبلي حنبليا ، ومن رزق علم التوحيد وما تحقق به عنده وتنتفي من أجله شكوكه العارضة له فيسمى موحدا من جهة أنه عارف به كما يقال جدليا ونحويا وفقيها ، ومعناه أي يعرف الجدل والنحو والفقه ، وأما من استغرق علم التوحيد قلبه واستولى على جملته حتى لا يوجد فيه فضل لغيره إلا على طريق التبعية ، ويكون شهود التوحيد لكل ما عداه سابقا له مع الذكر والتذكير مصاحبا من غير أن يعتريه ذهول عنه ولا نسيان له