يقول : كنت أرى نورا وأسمع صوتا وتسلم علي الملائكة فلما اكتويت انقطع ذلك عني وكان يقول : اكتوينا كيات فو اللّه ما أفلحت ولا أنجحت . ثم تاب من ذلك وأناب إلى اللّه تعالى فردّ اللّه تعالى عليه ما كان يجد من أمر الملائكة ! وقال لمطرف بن عبد اللّه : ألم تر إلى الملائكة التي كان أكرمني اللّه بها قد ردّها اللّه تعالى علي بعد أن كان أخبره بفقدها ؛ فإذا الكي وما يجري مجراه هو الذي لا يليق بالمتوكل لأنه يحتاج في استنباطه إلى تدبير ثم هو مذموم ، ويدل ذلك على شدة ملاحظة الأسباب وعلى التعمق فيها ، واللّه أعلم .
بيان أن ترك التداوي قد يحمد في بعض الأحوال ويدل على قوّة التوكل وان ذلك لا يناقض فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : اعلم أن الذين تداووا من السلف لا ينحصرون ، ولكن قد ترك التداوي أيضا جماعة
شرح
سبع كيات ، ( فكان ) رضي اللّه عنه ( يقول : كنت أرى نورا وأسمع صوتا وتسلم علي الملائكة ، فلما اكتويت انقطع ذلك عني ) كذا في القوت ، ( و ) في رواية ( كان يقول :
اكتوينا كيات فو اللّه ما أفلحن ولا أنجحن ) يعني الكيات .
وروى الحسن عن مطرف بن عبد اللّه قال : أتينا عمران بن الحصين نعوده وكان قد اكتوى في بطنه فقال : نهانا النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا . ورواه الحارث بن أبي اسامة من طريق هشام بن الحسن عن عمران أنه شكا بطنه فلبث زمانا طويلا فدخل عليه رجل فذكر قصته فقال : إن أحب ذلك إلي أحبه إلى اللّه قال حتى اكتوى قبل وفاته لسنتين ، وكان يسلم عليه فلما اكتوى فقده ثم عاد إليه ، وفي لفظ آخر : كانت الملائكة تزوره فيأنس بها حتى اكتوى .
( ثم تاب من ذلك وأناب إلى اللّه تعالى فرد اللّه تعالى عليه ما كان يجد من أمر الملائكة ) قال ابن عبد البر : كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم يقول عنه أهل البصرة أنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى اكتوى ، ( وقال ) رضي اللّه عنه ( لمطرف بن عبد اللّه ) بن الشخير العامري التابعي البصري : ( ألم تر أن الملائكة التي ) كان ( أكرمني اللّه بها قد ردها اللّه تعالى علي بعد أن كان أخبره بفقدها ) رواه الدارمي قال : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا أبو هلال ، حدثنا قتادة عم مطرف قال : قال عمران بن حصين : إني محدثك بحديث أنه كان يسلم علي وأن ابن زياد أمرني فاكتويت فحبس عني حتى ذهب أثر الكي . قال صاحب القوت : فلو لا أن ذلك كان عنده ذنبا ندم عليه ولما تاب منه ، ولولا أنه كان نقصا ما صرفت الملائكة عنه ، ( فإذا الكي وما يجري مجراه هو الذي لا يليق بالتوكل ، لأنه يحتاج في استنباطه إلى تدبير ثم هو موهوم ، فدل ذلك على شدة ملاحظة الأسباب وعلى التعمق فيها ) واللّه أعلم .