أخرجته في سبيل اللّه عز وجل ، فلم يقبل فألحّوا عليه فدعا ابنا له وجعل يصره صررا ويبعث بها إلى الفقراء حتى لم يبق منه شيء .
فهكذا كانت أخلاق السلف ، وكذلك من أخذ رغيفا ليعطيه فقيرا فغاب عنه كان يكره رده إلى البيت بعد إخراجه فيعطيه فقيرا آخر ، وكذلك يفعل في الدراهم والدنانير وسائر الصدقات .
الخامس : وهو أقل الدرجات أن لا يدعو على السارق الذي ظلمه بالأخذ ، فإن فعل بطل توكله ودل ذلك على كراهته وتأسفه على ما فات ، وبطل زهده ولو بالغ فيه بطل أجره أيضا فيما أصيب به . ففي الخبر : « من دعا على ظالمه فقد انتصر » . وحكي أن
شرح
حلالا طيبا فما كنت لأعود في مال أخرجته في سبيل اللّه عز وجل ، فلم يقبل فألحوا عليه فدعا أبنا له وجعل يصره صررا ويبعث بها إلى الفقراء حتى لم يبق منه شيء فهكذا كانت أخلاق السلف ) . وفي القوت : فهذا كانت نية إخراجه للّه سبحانه فلم يعد فيما أخرجه .
( وكذلك ) تقول : ( فيمن أخذ رغيفا ليعطيه فقيرا فغاب عنه ) ولم يصادفه ( كان يكره رده إلى البيت بعد إخراجه ) للّه تعالى ( فيعطي فقيرا آخر ، وكذلك يفعل في الدراهم والدنانير وسائر الصدقات ) قال صاحب القوت : وقد كان من كان بهذا الوصف ، وهذا طريق قد عفا أثره ودرس خبره فمن عمله به فقد أحياه وأظهره وقد كان قديما طريقا إلى اللّه تعالى عليه السابلة من المؤمنين .
( الخامس : وهو أقل الدرجات أن لا يدعو على السارق الذي ظلم بالأخذ ) من متاعه إذ قد جعله صدقة عليه فيؤجر أجرا ثانيا على أخيه وحسن نظره للعصاة من حيث لا يعلمون تخلق بأخلاق مولاه وينال بعفوه عن ظالمه درجة المحسنين ويتحقق بمقام المتقين ويكون ممن وقع أجره على اللّه ، ( فإن فعل ) فقد ( بطل توكله ودل ذلك على كراهته وتأسفه على ما فات وبطل ) أيضا ( زهده ، ولو بالغ فيه بطل أيضا أجره فيما أصيب به ) ، والحاصل أنه بطل به ثلاث مقامات من اليقين : التوكل والزهد والصبر ، وفي القوت : وقد اختلف رأي أهل المعرفة فيمن ظلم بمظلمة فقال بعضهم بتحليل الظالم والعفو عنه ، وقالت طائفة من أهل التوكل : بل إرجاء ذلك إلى اللّه تعالى وتسليمه إليه وتفويضه حتى يحكم فيه ما يحب لأنه منه وله أولى وأنه أحب إليهم ، وعندهم أعلى من ذلك ما حدثت عن أحمد بن أبي الحواري قال : قلت لأبي سليمان : إني قد جعلت كل من لي قبله تبعة في حلّ . فقال بئسما صنعت إنما كان ينبغي أن تهبه للّه تعالى فيؤاخذ من يشاء ويعفو عمن يشاء . قال ابن أبي الحواري : فلم أجبه أنا على هذا وثبت على الأمر الأول قال وقول أبي سليمان أعلى ، وهو معنى من التوكل على اللّه في النفس وهو أرفع أحوال المتوكلين لأن التوكل في الحكم وهو من مقامات الأنبياء كما قال تعالى :إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ[ يوسف :