الثاني : أن لا يترك في البيت متاعا يحرض عليه السراق فيكون هو سبب معصيتهم ، أو إمساكه يكون سبب هيجان رغبتهم ، ولذلك لما أهدى المغيرة إلى مالك بن دينار ركوة قال : خذها لا حاجة لي إليها . قال : لم ؟ قال : يوسوس إلى العدوّ أن اللص أخذها ، فكأنه احترز أن يعصي السارق ، ومن شغل قلبه بوسواس الشيطان بسرقتها .
ولذلك قال أبو سليمان : هذا من ضعف قلوب الصوفية هذا زهد في الدنيا فما عليه من أخذها .
الثالث : أن ما يضطر إلى تركه في البيت ينبغي أن ينوي عند خروجه الرضا بما يقضي اللّه فيه من تسليط سارق عليه ويقول : ما يأخذه السارق فهو منه في حل أو هو في سبيل اللّه تعالى ، وإن كان فقيرا فهو عليه صدقة ، وإن لم يشترط الفقر فهو أولى ،
شرح
( الثاني : أن لا يترك في البيت متاعا يحرص عليه السراق فيكون هو سبب معصيتهم ، وإمساكه يكون سبب هيجان رغبتهم ، ولذلك لما أهدى المغيرة إلى مالك بن دينار ركوة ) فأخذها منه ثم بعد أيام ( قال ) له . ( خذها لا حاجة لي إليها . قال : لم ؟ قال : يوسوس إلي العدو أن اللص أخذها ) قد تقدم عند أبي نعيم في الحلية أخرجه من طريق الحرث بن نبهان الجرمي قال : قدمت من مكة فأهديت إلى مالك بن دينار ركوة قال : فكانت عنده ، قال : فجئت يوما فجلست في مجلسه فقال : يا حارث بن نبهان تعال فخذ ركوتك فقد شغلت علي قلبي الخ .
والمصنف تبع صاحب القوت فإنه هكذا ذكره عن المغيرة ولعلهما قصتان ، ( فكأنه احترز من أن يعصي السارق ، ومن شغل قلبه بوسواس الشيطان بسرقتها . ولذلك قال أبو سليمان ) الداراني رحمه اللّه تعالى لتلميذه أحمد بن الحواري حين سأله عن هذه القصة : ( هذا من ضعف قلوب الصوفية ، هذا قد زهد في الدنيا فما عليه من أخذها ) قال صاحب القوت : وهذا كما قال أبو سليمان لأن الزهد إذا حق دخل الرضا والتوكل فيه ، ولقول مالك أيضا وجه كأنه كره أن يعصي اللّه به فيكون سببا لمعصية اللّه ، ولكن قول أبي سليمان أعلى لأجل مقام التوكل والرضا .
( الثالث : أن ما يضطر إلى تركه في البيت ينبغي أن ينوي عند خروجه ) منه ( الرضا بما يقضي اللّه فيه من تسليط سارق عليه ) فإن الرضا حال المتوكل ، ( ويقول ) : اللهم إن جميع ( ما ) في منزلي إن سلطت عليه من ( يأخذه السارق فهو منه في حل أو هو ) صدقة ( في سبيل اللّه تعالى ، فإن كان ) الآخذ ( فقيرا فهو عليه صدقه ) مني . وفي القوت : إن كان الآخذ فقيرا حمله على السرقة الحاجة أمضى صدقته عليه ، وإن كان غير ذلك صرفها إلى فقير وهو مأجور على الصدقة وعلى السارق والبغي إذا حملهما على ذلك الحاجة ، ( وإن لم يشترط الفقر فهو أولى ) . ولفظ القوت : قد كان بعض السلف إذا أخذ له الشيء يشترط فيقول : إن كان فقيرا فهو صدقة عليه ، وإن كان محتاجا فهو منه في حل انتهى .