فوجد متاعه في البيت فينبغي أن يكون ذلك عنده نعمة جديدة من اللّه تعالى ، وإن لم يجده بل وجده مسروقا نظر إلى قلبه ، فإن وجده راضيا أو فرحا بذلك عالما أنه ما أخذ اللّه تعالى ذلك منه إلا ليزيد رزقه في الآخرة فقد صح مقامه في التوكل وظهر له صدقه ، وإن تألم قلبه به ووجد قوة الصبر فقد بان له أنه ما كان صادقا في دعوى التوكل لأن التوكل مقام بعد الزهد ولا يصح الزهد إلا ممن لا يتأسف على ما فات من الدنيا ولا يفرح بما يأتي ، بل يكون على العكس منه ، فكيف يصح له التوكل ، نعم قد يصح له مقام الصبر إن أخفاه ولم يظهر شكواه ولم يكثر سعيه في الطلب والتجسس ، وإن لم يقدر على ذلك حتى تأذى بقلبه وأظهر الشكوى بلسانه واستقصى الطلب ببدنه ، فقد كانت السرقة مزيدا له في ذنبه من حيث أنه ظهر له قصوره عن جميع المقامات وكذبه في جميع الدعاوى ؛ فبعد هذا ينبغي أن يجتهد حتى لا يصدق نفسه في دعاويها ولا يتدلى بحبل غرورها فإنها خداعة أمارة بالسوء مدعية للخير .
شرح
التوكل بعقل البعير وأخذ السلاح وإغلاق الباب ، ثم ) ذلك التوكل ( إذا عاد فوجد متاعه في البيت ) لم يؤخذ ، ( فينبغي أن يكون ذلك عنده نعمة جديدة من اللّه تعالى ، وإن لم يجده بل وجده مسروقا نظر إلى قلبه ، فإن وجده راضيا أو فرحا بذلك عالما أنه ما أخذ اللّه ذلك منه إلا ليزيد رزقه في الآخرة ) وأنه ما من رزق ينقص له من الدنيا إلا وهو زيادة له في رزق الآخرة كما سبق ؛ ( فقد صح مقامه في التوكل وظهر له صدقه ) فيه ، فإن حمد اللّه وشكره على حسن بلائه أعطى ثواب الشاكرين الراضين كما جاء في الخبر « يا رب من أولياؤك من خلقك ؟
قال : الذي إذا أخذت منه المحبوب فسالمني » . ( وإن تألم قلبه به ووجد قوة الصبر فقد بان له أنه ما كان صادقا في دعوى التوكل ، لأن التوكل مقام بعد الزهد ) . وإن لم يكن شرطا فيه . ( ولا يصح الزهد إلا ممن لا يتأسف على ما فات من الدنيا ولا يفرح بما يأتي بل يكون على العكس منه ) كما تقدم في كتاب الزهد ، ( فكيف يصح له التوكل ) وهو لم يكن في مقام الزهد ؟ ومقامات اليقين التسعة كلها على ترتيب ، ومثل هذا جناية من المؤمنين يستغفرون اللّه منه ويتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي . ( نعم ، قد يصح له مقام الصبر إن أخفاه ولم يظهر شكواه ولم يكثر سعيه في الطلب والتجسس ) فهو يعطى ثواب الصابرين المجاهدين ، ( وإن لم يقدر على ذلك حتى تأذى بقلبه وأظهر الشكوى بلسانه واستقصى الطلب ببدنه ؛ فقد كانت السرقة مزيدا له في ذنبه من حيث أنه ظهر له قصوره عن جميع المقامات ) الصبر والشكر والفقر والزهد والتوحيد والتوكل والرضا ، ( و ) ظهر أيضا ( كذبه في جميع الدعاوى ) فليبك على نفسه وليستأنف التوبة والدخول في الطريق ، ( فبعد هذا ينبغي أن يجتهد حتى لا يصدق نفسه في دعاويها ولا يتدلى بحبل غرورها فإنها خداعة ) غرارة ( أمارة بالسوء مدعية للخير ) فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين وموجبات التوبة والاستغفار عند الموقنين .