وعقل بعيره حذرا من أن ينطلق ، فبأي اعتبار يكون متوكلا ؟
فأقول : يكون متوكلا بالعلم والحال ، فأما العلم فهو أن يعلم أن اللص إن اندفع لم يندفع بكفايته في إغلاق الباب بل لم يندفع إلا بدفع اللّه تعالى إياه ، فكم من باب يغلق ولا ينفع ، وكم من بعير يعقل ويموت أو يفلت ، وكم من آخذ سلاحه يقتل أو يغلب فلا تتكل على هذه الأسباب أصلا بل على مسبب الأسباب ، كما ضربنا المثل في الوكيل في الخصومة ، فإنه إن حضر وأحضر السجل فلا يتكل على نفسه وسجله بل على كفاية الوكيل وقوته . وأما الحال ؛ فهو أن يكون راضيا بما يقضي اللّه تعالى به في بيته ونفسه ويقول : اللهم إن سلطت علي ما في البيت من يأخذه فهو في سبيلك وأنا راض بحكمك ، فإني لا أدري أن ما أعطيتني هبة فلا تسترجعها أو عارية ووديعة فتستردها ، ولا أدري أنه رزقي أو سبقت مشيئتك في الأزل بأنه رزق غيري وكيفما قضيت فأنا راض به ، وما أغلقت الباب تحصنا من قضائك وتسخطا له بل جريا على مقتضى سننك في ترتيب الأسباب فلا ثقة إلا بك يا مسبب الأسباب ، فإذا كان هذا حاله وذلك الذي ذكرناه علمه لم يخرج عن حدود التوكل بعقل البعير وأخذ السلاح وإغلاق الباب ، ثم إذا عاد
شرح
وعقل بعيره حذرا من أن ينطلق فبأي اعتبار يكون متوكلا ) وما فعله ظاهره يناقض التوكل ؟
( فأقول : يكون متوكلا بالعلم والحال . فأما العلم ؛ فهو أن يعلم أن اللص إن اندفع ) عن بيته لم يندفع ( بكفايته في إغلاق الباب ، بل لم يندفع إلا بدفع اللّه تعالى إياه ) ولولا دفع اللّه لم يندفع ، وإلا ( فكم من باب يغلق ولا ينفع ) بل يكسر الغلق ويؤخذ ما فيه أو يتسور عليه ، ( وكم من بعير يعقل ويموت أو يفلت ) من عقاله ، ( وكم من آخذ سلاحه يقتل أو يغلب ) من حيث لا يدري ؛ ( فلا يتكل على هذه الأسباب أصلا على مسبب الأسباب ) ومسخرها ومسهلها ، وهذا إنما يصل إليه بقوة علمه في توحيد الباري جل جلاله ، ( كما ضربنا المثل في الوكيل في الخصومة فإنه إن حضر وأحضر السجل فلا يتكل على نفسه وسجله ، بل على كفاية الوكيل وقوته ) ومساعدته . ( وأما الحال ؛ فهو أن يكون راضيا بما يقضي اللّه تعالى به في بيته ونفسه ويقول : اللهم إن سلطت علي ما في البيت ) من المتاع ( من يأخذه فهو في سبيلك وأنا راض بحكمك فإني لا أدري أن ما أعطيتني ) من المتاع ( هبة ) محضة منك ( فلا تسترجعها ، أو عارية ووديعة فتستردها . ولا أدري أنه رزقي أو سبقت مشيئتك في الأزل بأنه رزق غيري ، وكيفما قضيت فأنا راض به ) على كل حال . ( وما أغلقت الباب تحصينا من قضائك وتسخطا له ، بل جريا على مقتضى سنتك في ترتيب الأسباب ) على مسبباتها ، ( فلا ثقة إلا بك يا مسبب الأسباب ، فإذا كان هذا حاله وذلك الذي ذكرناه علمه لم يخرج عن حدود