تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
شرح
قال فيه في تقرير السؤال ، وما معنى قول من تقدم من أهل هذا الشأن إفشاء سر الربوبية كفر ، وأين أصل ما قالوه في الشرع إذ الإيمان والكفر والهداية والضلال والتقريب والتبعيد والصديقية وسائر مقامات الولاية ودركات المخالفة إنما هي مآخذ شرعية وأحكام نبوية ، فقال في الجواب عنه : إنه يخرج على وجهين : أحدهما : أن يكون المراد به كفرا دون كفر ويسمى ذلك تغليظا لما أتى به المفشي وتعظيما لما ارتكبه ، ويعترض هذا بأن يقال : لا يسمى هذا كفرا لأنه ضد الكفر ، إذ الكافر الذي يسمى هذا على معناه ساتر ، وهذا المفشي للسرّ ناشر وأين النشر من الستر ، والإظهار من التغطية ، والاعلان من الكتم ، واندفاع هذا بأن يقال : ليس الكفر الشرعي تابعا للاشتقاق ، وإنما هو حكم بمخالفة الأمر وارتكاب النهي ، فمن رد إحسان محسن أو جحد نعمة متفضل فيقال عليه كافر لجهتين : إحداهما : لجهة الاشتقاق ويكون إذ ذاك اسما يبنى على وصف . والثانية : من جهة الشرع ويكون إذا ذاك حكما يوجب عقوبة ، والشرع قد ورد بشكر المنعم فافهم ، لا تذهب مع الالفاظ ولا تسترقك العبارات ولا تحجبك التسميات وتفطن لخداعها واحترس من استدراجها ، فإذا من أظهر ما أمر بكتمه كان كمن كتم ما أمر بنشره وفي مخالفة الأمر فيهما حكم واحد على هذا الاعتبار ، ويدل على ذلك من جهة الشرع قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تحدثوا الناس بما لم تصله عقولهم » وفي ارتكاب النهي عصيان ويسمى في باب القياس على المذكور كفرانا . والوجه الثاني : أن يكون معناه كفر السامع لا المخبر بخلاف الوجه الأول ، ويكون هذا مطابقا للحديث المذكور « لا تحدثوا الناس بما لم تصله عقولهم » أتريدون ان يكذب اللّه ورسوله ؟ فمن حدث أحدا بما لم يصله عقله ربما سارع إلى التكذيب وهو الأكثر ، ومن كذب بقدرة اللّه تعالى وبما أوجد بها فقد كفر ولو لم يقصد الكفر ، فإن أكثر اليهود والنصارى وسائر النحل ما قصدت الكفر إلا بظنها بأنفسها وهي كفار بلا ريب ، وهذا وجه واضح قريب ولا يلتفت إلى ما مال إليه بعض من لا يعرف وجوه التأويل ، ولا يعقل كلام أولي الحكم ولا الراسخين في العلم ، إذ ظن أن قائل ذلك أراد الكفر الذي هو نقيض الإيمان والإسلام يتعلق بمخبره ويلحق قائله ، وهذا لا يخرج إلا على مذاهب أهل الأهواء الذين يكفرون بالمعاصي ، وأهل السنن لا يرضون بذلك ، وكيف يقال لمن آمن باللّه واليوم الآخر وعبد اللّه تعالى بالقول الذي يبرّ منه والعمل الذي يقصد به المتعبد لوجهه والكفر الذي يستزيد به إيمانا والمعرفة له سبحانه ، ثم يكرمه اللّه تعالى ذلك بفوائد المزيد وينيله ما شرف من المنح ويريه أعلام الرضا ثم يكفره أحد بغير شرع ولا قياس عليه ، والإيمان لا يخرج عنه إلا بنبذه واطراحه وتركه واعتقاد ما لا يتم الإيمان معه ولا يحصل بمقارنته وليس في افشاء الولي شيء مما يناقض الإيمان ، اللهم إلّا أن يريد بافشائه وقوع الكفر من