تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
التعمق في الأسباب والتعويل عليها ، فيكاد يقرب من الكي بخلاف الجبة ، ولترك الأسباب الدافعة ، وإن كانت مقطوعة وجه إذا ناله الضرر من إنسان فإنه إذا أمكنه الصبر وأمكنه الدفع والتشفي فشرط التوكل الاحتمال والصبر . قال اللّه تعالى :
فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا * وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
[ المزمل : 9 ، 10 ] وقال تعالى :
وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
[ إبراهيم : 12 ] ، وقال عز وجل :
وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
[ الأحزاب : 48 ] ، وقال سبحانه وتعالى :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
[ الأحقاف : 35 ] وقال تعالى :
نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
[ العنكبوت : 58 ، 59 ] وهذا في أذى الناس . وأما الصبر على أذى الحيات والسباع والعقارب فترك دفعها ليس من التوكل في شيء إذ لا فائدة فيه ، ولا يراد السعي ولا يترك السعي لعينه بل لإعانته على الدين ، وترتب الأسباب ههنا كترتبها في الكسب وجلب المنافع ، فلا نطول بالإعادة ، وكذلك في
شرح
والتعويل عليها ، فيكاد يقرب من الكي بخلاف الجبة ولترك الأسباب الدافعة ) من الضرر ( وإن كانت مقطوعة ) بها ( وجه فإذا ناله الضرر من إنسان فإنه إذا أمكنه الصبر وأمكنه الدفع والتشفي ) والانتصاف منه ( فشرط التوكل الاحتمال والصبر ) على الأذى من الفعل وترجيح جانبه على جانب الدفع ( وهذا هو توكل الخصوص قال اللّه تعالى ) لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا * وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) أي توكل عليه واستعمل الصبر . ( وقال تعالى ) حكاية عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَوقال عز وجل ) حين أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بالتأسي بهم في قوله :أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ[ الأنعام : 90 ] فقال : (وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) لقوله عز وجل :ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ[ فصلت : 43 ] من التكذيب والأذى . ( وقال سبحانه وتعالى :فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) وقال بعض العارفين : لا يثبت لأحد مقام في التوكل حتى يستوي عنده المدح والذم من الخلق فيسقطان ، وحتى يؤذى فيصبر على الأذى يستخرج بذلك منه رفع السكون إلى الخلق والنظر إلى علم الخالق الذي سبق ، ثم التوكل في الصبر على حسن المعاملة وترك الطلب للمعارضة حياء من اللّه تعالى وإجلالا له وخوفا منه وحبا له ، ( و ) قد وصفهم اللّه تعالى بذلك ظاهرا أو باطنا ، فالظاهر ( قال ) اللّه ( تعالى :نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فلما عملوا صبروا على عملهم ثم توكلوا عليه في صبرهم فأجزل ذخرهم عنده منة وأنعم أجرهم ، والباطن فيما أخبر عنهم :إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراًفقطعهم الخوف عن الطلب ، ( وهذا في أذى الناس وأما الصبر على أذى الحيات والسباع والعقارب فترك دفعها ليس من التوكل في شيء ، إذ لا فائدة فيه ولا يراد السعي ولا يترك السعي لعينه ، بل لإعانته على الدين وترتيب الأسباب