تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
شرح
من النهار أخرجه قبل الليل فقلت : أخرجه قبل الصبح ، ثم قلت : هي ليلة ، فإذا أصبحت أخرجته . قال : فجعلته في وسطي ونمت فرأيت في المنام كأنّ في وسطى ثلاثة زنانير قال : فاغتممت وجعلت أحلها وأتعجب من ذلك ، فقال لي قائل : هذه الثلاثة دراهم التي ادخرتها . قال : فانتهيت فزعا فقمت فدفعتها في الوقت إلى بعض الفقراء . قال : وحدثني بعض الأشياخ عن بعض الصوفيين أنه كذلك كان يخرج كل ما فتح له إلى إخوانه الفقراء ولا يدخر لنفسه شيئا . قال : ففتح لي بدينار وكان على دينار دينا ، فجعلت أؤمل بين أن أحبسه لقضاء ديني وبين أن أخرجه إلى ما عودت من خليقتي . قال : فقوي علي شاهد العلم فقلت : إمساك للدين أولى لأنه قد استحق عليّ قال : فلم أنفقه على إخواني وكان ينتاب ويستضاف . قال : فضرب عليّ ضرس من أضراسي تلك الليلة فلم أنم فأشير عليّ بقلعه فقلعته ، ثم قال : خطر بقلبي إخراج الدينار ، ثم قلت : الدين أوجب فحبسته . قال : فضرب علي في الليلة الثانية ضرس آخر أسهرني قال فنزعته ، ثم قال : ذكرت شأن الدينار فقلت لعلي عوقبت بحبسه . قال : فأخرجته قبل الليل . قال : فهتف بي هاتف لو لم تخرجه لقلعنا أسنانك ضرسا ضرسا حتى لا يبقى في فيك ضرس واحد فهذه مطالبات الخصوص لعلو مقاماتهم مخصوصون به مشدد عليهم فيه دون غيرهم . قال : وكذلك بلغني أن بنانا الحمال لم يكن يدخر شيئا لغد ولا يبيته من النهار ، فحدثني بعض الأشياخ عمن رآه وقد دفع إليه بمكة كيسا فيه خمسمائة درهم قال : فصره صررا وجعلها في ركوته ثم طاف بها على دور حول المسجد الحرام فجعل يلقيها إلى الفقراء صرة صرة وهو يمشي حتى أنفذها ، فقلت : لأنظرن من أين فطره هذه الليلة إذ لم يترك لنفسه شيئا ، فلما كان بين العشاءين طاف في الوادي طوفة ومدّ يده وقال : ثم شيء للّه فجعل في كفه وسعه فعدل إلى باب الصفا فقعد فأكله وشرب من ماء زمزم ودخل الطواف ، قال : فسألته عن ذلك من الغد ، فقال : ما حدثت نفسي أن أعيش إلى الليل ولو قوي في قلبي ذلك لحبست منه القوت ؛ فهذا طريق هؤلاء سلكوه بزاده بتقوى مثلهم إذ جعلت قلوبهم أوعية لمراده . وحدثت عن بعض العارفين قال : رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت وكان الناس يساقون زمرة زمرة إلى الجنة على طبقات ، فنظرت إلى طبقة أحسن الناس هيئة وأعلاهم طريقا وأسرعهم سبقا فقلت : هذه أفضلهم أكون فيها فذهبت لأخطو إليهم وأدخل معهم في طريقهم فإذا بملائكة حولهم قد منعوني وقالوا : قف مكانك حتى يجيء أصحابك فتدخل معهم ، فقلت : تمنعوني مع هؤلاء السابقين . فقالوا : هذا طريق لا يسلكه إلا من لم يكن له إلا قميص واحد ومن كل شيء واحد وأنت لك قميصان ومن أشياء . قال : فانتبهت باكيا حزينا فجعلت على نفسي أن لا أملك من كل شيء إلا واحدا واللّه أعلم .