أن الادخار قد يضر بعض الناس وقد لا يضر ، ويدل عليه ما روى أبو أمامة الباهلي أن بعض أصحاب الصفة توفي فما وجد له كفن ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « فتشوا ثوبه » فوجدوا فيه دينارين في داخل إزاره ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « كيتان » . وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف أموالا ولا يقول ذلك في حقه ، وهذا يحتمل وجهين لأن حاله يحتمل حالين :
أحدهما : أنه أراد كيتين من النار كما قال تعالى :
فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ
[ التوبة : 35 ] وذلك إذا كان حاله إظهار الزهد والفقر والتوكل مع الإفلاس عنه فهو نوع تلبيس .
والثاني : أن لا يكون ذلك عن تلبيس فيكون المعنى به النقصان عن درجة كماله كما
شرح
فيه . قال : وكان يضرب للمدخر مثلا في قصر الأمل وطوله ، فيقول : مثل من يترك الإدخار مثل رجل يقول أريد أن أخرج إلى الإبلة فيقال له : خذ رغيفا ، فإن قال : أريد أن أخرج إلى العسكر قيل له خذ أربعة أرغفة . قال : فكذلك ترك الإدخار ينقص من فضائل الزاهدين بمقدار ما يمنع من حقيقة الزهد إلا للزهاد العارفين لأنهم على عين اليقين قد أقيموا بشهادة عين التوحيد فينظرون بنور الأولية والآخرية ، فالموجودات عندهم عنده إذا كانت أيديهم يده وقبضهم قبضه فهو وكيلهم وهم خلفاؤه ينفقون مما جعلهم مستخلفين فيه فهو مزيد لهم لأن هذا مقام فوق الزهد قد جاوزه ، فكيف يعتبر به ؟ وهؤلاء لا يوصفون بكدر الخلق والمراءاة فكيف يؤمرون بالتصفية والإخلاص إذ لا يدخل عليهم الشرك لقيومية شهادة التوحيد بهم فهم بها قائمون . وأما تارك المكاسب وقاطع التسبب ممن لا علوم له من الأولياء فإنهم تركوا الادخار لأنه مقتضى حالهم وفيه استقامة مقامهم وصفاء قلوبهم لخلوصهم ولإفراد سيرهم .
( فإذا فهمت هذا علمت أن الإدخار قد يضر بعض الناس وقد لا يضر ، ويدل عليه ما روي أبو أمامة ) صدي بن عجلان ( الباهلي ) رضي اللّه عنه ( أن بعض أصحاب الصفة توفي فما وجد له كفن فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « فتشوا ثوبه » ) ففتشوه ( فوجدوا فيه دينارين في داخل إزاره فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « كيتان » ) قال العراقي : رواه أحمد من رواية شهر بن حوشب عنه ، ( وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف أموالا ولا يقول ذلك في حقه ، وهذا يحتمل وجهين لأن حاله يحتمل حالين ) .
( أحدهما : أنه أراد كيتين من النار كما قال تعالى :فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْوذلك إذا كان حاله حال إظهار الزهد والفقر و ) وصف ( التوكل ) وترك الإدخار ( مع الإفلاس عنه فهو نوع تلبيس ) ، ولذلك شدد عليه وغلظ بكيتي نار وعلى هذا الوجه اقتصر صاحب القوت .
( والثاني : أن لا يكون ذلك عن تلبيس فيكون المعنى به النقصان عن درجة كماله كما