تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
الثواب ، ومن نظر إلى مجاري سنة اللّه تعالى علم أن الرزق ليس على قدر الأسباب ، ولذلك سأل بعض الأكاسرة حكيما عن الأحمق المرزوق والعاقل المحروم ؟ فقال : أراد الصانع أن يدل على نفسه إذ لو رزق كل عاقل وحرم كل أحمق لظن أن العقل رزق صاحبه ، فلما رأوا خلافه علموا أن الرازق غيرهم ولا ثقة بالأسباب الظاهرة لهم . قال الشاعر :
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا * هلكن إذا من جهلهن البهائم
بيان أحوال المتوكلين في التعلق بالأسباب بضرب مثال : اعلم أن مثال الخلق مع اللّه تعالى مثل طائفة من السؤّال وقفوا في ميدان على باب قصر الملك وهم محتاجون إلى الطعام فأخرج إليهم غلمانا كثيرة ومعهم أرغفة من الخبز ،
شرح
ومن ذلك في الخبر : أوحى اللّه إلى موسى أني أجعل أرزاق أوليائي على أيدي العاصين ليؤجروا فيهم فعلم هذا للمتوكلين ، ومعرفة هذه الحكمة لمن أوصل إليهم قسمهم من المؤملين مقام للجمع في المعرفة واليقين ، فهو مال للمعطى الموصل وطريق للآخر المتوكل كما في الخبر : « ما المعطى من سعة بأعظم أجرا من الآخر إذا كان محتاجا فسبحان مطرق الطرقات ومسبب الوصولات إلى الآخرة بزلف القربات . » ( ومن نظر ) بعين التأمل ( إلى مجاري سنة اللّه تعالى ) التي خلت في عباده ( علم أن الرزق ليس على قدر الأسباب ) فكم من ذكي محروم وكم من غبي مجدود ، ( ولذلك سأل بعض الأكاسرة ) أي ملوك الفرس ( حكيما من حكمائهم عن الأحمق المرزوق والعاقل المحروم ) عن الرزق ما السر فيه ؟ ( فقال ) الحكيم : ( أراد الصانع ) جل جلاله ( أن يدل ) بذلك ( على نفسه ) أنه الواحد الأحد الرازق ( إذ لو رزق كل عاقل وحرم كل أحمق لظن أن العقل رزق صاحبه ، فلما رأوا خلافه علموا أن لا رازق غيره ولا ثقة بالأسباب الظاهرة لهم ) قال الشاعر :ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا * هلكن إذا من جهلهن البهائمنقله صاحب القوت . إلا أنه قال : علموا أن الصانع هو الرازق ، والحاصل أن من كان ذا معلوم من حرف أو معتاد من الفيء لم يصح توكله مع سكونه إليه وطمأنينته به لأن ذلك علة في حاله وحيرة لتوكله ، وقد يصح التوكل مع ذلك بثلاث معان : أن لا يعوّض منه عوضا يقوم مقام السبب الواصل إليه ، وأن يقطع همه عنه وعن جميع الخلق ، وأن يكون منقطعا إلى اللّه تعالى مشغولا بخدمته لا بطالا مروحا لنفسه ، واللّه الموفق .

[ بيان أحوال المتوكلين في التعلق بالأسباب بضرب مثال ]

بيان أحوال المتوكلين في التعلق بالأسباب بضرب مثال : ( اعلم ) هداك اللّه تعالى ( أن مثال الخلق مع اللّه تعالى مثال طائفة من السّؤال ) جمع سائل ( وقفوا في ميدان ) موضع واسع مشرف ( على باب قصر الملك ) ينظر منه إليهم ، ( وهم محتاجون إلى الطعام ) ما يأكلونه فاشفق الملك عليهم ( فأخرج إليهم غلمانا كثيرة ) من عنده