تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
بأهل الدين فهذا يأتيه من حيث يحتسب ولا يحتسب على الدوام ، بل يأتيه أضعافه ، فتركه التوكل واهتمامه بالرزق غاية الضعف والقصور ، فإن اشتهاره بسبب ظاهر يجلب الرزق إليه أقوى من دخول الأمصار في حق الخامل مع الاكتساب ، فالاهتمام بالرزق قبيح بذوي الدين وهو بالعلماء أقبح لأن شرطهم القناعة والعالم القانع يأتيه رزقه ورزق جماعة كثيرة وإن كانوا معه إلا إذا أراد أن لا يأخذ من أيدي الناس ويأكل من كسبه فذلك له وجه لائق بالعالم العامل الذي سلوكه بظاهر العلم والعمل ولم يكن له سير بالباطن ، فإن الكسب يمنع عن السير بالفكر الباطن فاشتغاله بالسلوك مع الأخذ من يد من يتقرب إلى اللّه تعالى بما يعطيه أولى لأنه تفرغ للّه عز وجل وإعانة للمعطي على نيل
شرح
والجندية ؛ ( فهذا يأتيه من حيث يحتسب و ) من حيث ( لا يحتسب على الدوام ) من غير انقطاع ، ( بل يأتيه أضعافه فتركه التوكل واهتمامه بالرزق ) المضمون ( غاية الضعف والقصور ، فإن اشتهاره بسبب ظاهر يجلب الرزق إليه أقوى من دخول الأمصار في حق الخامل مع الإكتساب فالاهتمام بالرزق قبيح بذوي الدين ) أولي الصلاح المتين ، ( وهو بالعلماء ) باللّه وأحكامه ( أقبح لأن شرطهم القناعة ) وهذا الاهتمام يضادها وقبيح بذوي الإيمان أن ينزلوا حاجتهم بغير اللّه تعالى مع علمهم بوحدانيته وانفراده بربوبيته وهم يسمعون قوله تعالى :أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ[ الزمر : 36 ] وذلك من العلماء أقبح فرفع الهمة عن الخلق وعدم الاهتمام بالرزق هو ميزان العلماء وسبار الرجال كما توزن الذوات توزن الأحوال والصفاتوَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ[ الرحمن : 9 ] فيظهر الصادق بصدقه والمدعي بحزقه ، ( والعالم القانع يأتيه رزقه ) بل ( ورزق جماعة كثيرة إن كانوا معه ) وقد ابتلى اللّه بحكمته العلماء الذين ليسوا بقانعين ولا في وصفهم صادقين بإظهار ما كتموا من الحرص والشره والرغبة وأسروا في أنفسهم من الشهوة فابتذلوا نفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم ملائمين موافقين لهم على مآربهم مدفوعين على أبوابهم ، فلقد وسمهم الحق سمة كشف بها عوارهم ، أولئك هم الكاذبون على اللّه الصادون للعباد عن صحبة أوليائه فهم حجب أهل التحقيق وسحب شموس أهل التوفيق ضربوا طبولهم ونشروا أعلامهم ولبسوا دروعهم ، فإذا وقعت الحملة ولوا على أعقابهم ناكصين ( إلا إذا أراد ) ذلك العالم القانع ( أن لا يأخذ ) رزقه ( من أيدي الناس و ) لا ( يأكل ) إلا ( من كسبه ، فذلك له وجه لائق بالعالم العامل ) الصادق في علمه وعمله ( الذي سلوكه بظاهر العلم والعمل ) فقط ( ولم يكن له سير بالباطن ) بالتهذيب والرياضة ، ( فإن الكسب ) أي الاشتغال به ( يمنع من السير بالفكر الباطن ) إلا أن يكون قويا ممن لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه ، ( فاشتغاله بالسلوك ) الباطن حينئذ ( مع الأخذ من يد من يتقرب إلى اللّه تعالى بما يعطيه أولى لأنه تفرغ للّه عز وجل ) وهذا هو المقصود الأعظم من التوكل بل ومن سائر مقامات الدين ، ( و ) فيه أيضا ( إعانة للمعطي على نيل الثواب ) وما به تترتب فائدتان : إحداهما أفضل من واحدة ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 210 | مرتضى الزبيدي