تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
ويزعم أنه منّا قريب * وأنا لا نضيع من أتانا ويسألنا على الإقتار جهدا * كأنا لا نراه ولا يرانا
فقد فهمت أن من انكسرت نفسه وقوي قلبه ولم يضعف بالجبن باطنه وقوي إيمانه بتدبير اللّه تعالى كان مطمئن النفس أبدا واثقا باللّه عز وجل ، فإن أسوأ حاله أن يموت ولا بدّ أن يأتيه الموت كما يأتي من ليس مطمئنا ، فإذا تمام التوكل بقناعة من جانب ووفاء بالمضمون من جانب ، والذي ضمن رزق القانعين بهذه الأسباب التي دبرها صادق ، فاقنع وجرب تشاهد صدق الوعد تحقيقا بما يرد عليك من الأرزاق العجيبة التي لم تكن في ظنك وحسابك ولا تكن في توكلك منتظرا للأسباب بل لمسبب الأسباب ، كما لا تكون منتظرا لقلم الكاتب بل لقلب الكاتب ، فإنه أصل حركة القلم والمحرك الأوّل واحد ، فلا ينبغي أن يكون النظر إلا إليه . وهذا شرط توكل من يخوض البوادي بلا زاد ويقعد في الأمصار وهو خامل . وأما الذي له ذكر بالعبادة والعلم فإذا قنع في اليوم والليلة بالطعام مرة واحدة كيف كان وإن لم يكن من اللذائذ ، وثوب خشن يليق
شرح
ويزعم أنه منا قريب * ونحن لا نضيع من أتانا ويسألنا على الإقتار جهدا * كأنا لا نراه ولا يرانا) أي : فلما سمع ذلك سكن قلبه عن الاضطراب والقلق . ( فقد فهمت أن من انكسرت نفسه وقوي قلبه ولم يضعف بالجبن باطنه وقوي إيمانه بتدبير اللّه تعالى ) إياه في سائر أطواره وشؤونه ( كان مطمئن النفس أبدا واثقا باللّه عز وجل ) في حسن وفائه وصدق ضمانه ، ( فإن أسوأ أحواله أن يموت ولا بد أن يأتيه ) الموت وإن طال ( كما يأتي من ليس مطمئنا فإذا تمام التوكل بقناعة من جانب ووفاء بالمضمون من جانب ) والذي ضمن رزق ( القانعين بهذه الأسباب التي دبرها ) بلطيف حكمته ( صادق ) في وعده وضمانه ، ( فاقنع ) ليصح توكلك ( وجرب تشاهد صدق الوعد تحقيقا لما يرد عليك من الأرزاق العجيبة التي لم تكن في ظنك و ) لم تخطر في ( حسابك ولا تكن في توكلك منتظرا للأسباب بل لمسبب الأسباب ) أي خالقها وميسرها ، ( كما لا تكون منتظرا لقلم الكاتب ) الموقع ( بل لقلب الكاتب فإنه ) أي القلب ( أصل حركة القلم والمحرك الأول واحد ) في الوجود ، ( فلا ينبغي أن يكون النظر إلا إليه ) وفيه تلويح إلى مقام وحدة الوجود عند الصوفية ، ( وهذا شرط توكل من يخوض البوادي بلا زاد ) يحمله ( و ) كذا من ( يقعد في الأمصار وهو خامل ) الذكر ؛ ( وأما الذي له ذكر بالعبادة والعلم فإذا قنع في اليوم والليلة بالطعام ) المتيسر ( مرة واحدة كيف كان وإن لم يكن من اللذائذ ) والأنواع المختلفة ( وثوب خشن ) من مستعمل ثياب بلده مما ( يليق بأهل الدين ) ولا يكون من الشطار