السماء لا يطلع عليها . ولهذا دخل جماعة على الجنيد فقال : ما ذا تطلبون ؟ قالوا : نطلب
شرح
تُوعَدُونَوأسرار السماء لا يطلع عليها ) بتفاصيلها لأنها من عالم الملكوت . وذكر الشيخ ابن عطاء اللّه في كتاب التنوير لهذه الآية فوائد ما ملخصها أي : يا هذا المطلع للرزق من المخلوق الضعيف العاجز في الأرض ليس رزقك عنده إنما رزقك عندي وأنا الملك القادر ، ولأجل هذا لما سمع بعض الأعراب هذه الآية نحر ناقته وخرج فارا إلى اللّه تعالى وهو يقول : سبحان اللّه رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض ، فانظر كيف فهم عن اللّه أن مراده بهذه الآية أن يرفع هم عباده إليه أن تكون رغبتهم فيما لديه ، كما قال في الآية الأخرى :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ[ الحجر : 21 ] لتنحاش الهمم إلى بابه وتجنح القلوب إلى جنابه ، فكن سماويا علويا ولا تكن سفليا أرضيا ، ولذلك قال بعضهم :ابعد نفوذي في علوم الحقائق * وبعد انبساطي في مواهب خالقي
وفي حين إشرافي على ملكوته * أرى باسطا كفا إلى غير رازقوكيف تقر له بالربوبية يوم ألست بربكم وتعرفه وتوحده هناك وتجهله ههنا ، وقد تواتر عليك إحسانه وغمرك فضله وامتنانه كما قيل :في القلب لكم منزلة علياء * لا تسكنها سعدى ولا لمياء
في الذر عرفتك فهل يجمل بي * أن أنكركم ولحيتي شمطاءفهذه الآية هي التي غسلت الشكوك من قلوب المؤمنين في قلوبهم أنوار اليقين ، وقد تضمنت ذكر الرزق ومحله والتشبيه بأمر لا خفاء فيه وفيها فوائد .
الأولى : لما علم سبحانه كثرة اضطراب النفوس في شأن الرزق كرر ذكره كما تكررت ورود عوارضه على القلوب كما تكرر الحجة إذا علمت أن الشبه مستمكنة في نفس الخصم ليكون ذلك أوكد في الحجة ، فذكر في هذه الآية محل الرزق وبينه لتسكن إليه القلوب ، وليس الضمان مع إبهام المحل كالضمان مع تبيينه . فهذا أبلغ في ثقة النفس به وأقوى في دفع الشك فيه .
الثانية : يحتمل أنه أراد إثبات رزقكم أي إثباته من اللوح المحفوظ ففيه إعلام لهم أن الشيء الذي منه رزقكم أثبتناه عندنا في كتابنا وقضيناه بمشيئتنا من قبل وجودكم ، فلأي شيء تضطربون وما لكم إلي لا تسكنون وبوعدي لا تثقون ؟ ويحتمل أنه أراد بالرزق الماء . وقال ابن عباس : هو المطر فيكون الشيء الذي منه أصل رزقكم ، ولأن الماء في أصله رزق .
الثالثة : يمكن أن يكون مراد الحق بهذه الآية تعجيز العباد عن دعوى القدرة على الأسباب لأن اللّه تعالى لو أمسك الماء على الأرض لتعطل كل ذي سبب ، فكأنه يقول : ليست أسبابكم هي الرازقة لكم ولكن أنا الرازق لكم وبيدي تيسير أسبابكم لأني أنا المنزل لكم ما به كان أسبابكم .
الرابعة : في اقتران الرزق بالأمر المدعو فائدة جليلة ، وذلك أن المؤمنين علموا أن ما وعدهم الحق لا بد من كونه ولا قدرة لهم على تعجيله ولا تأجيله ولا حيلة لهم في جلبه ، فكأنه تعالى يقول :