تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
ذوقا ، والإفلاس عن الإيمان به علما ، فإذا عليك بالقناعة بالنزر القليل والرضا بالقوت فإنه يأتيك لا محالة وإن فررت منه ، وعند ذلك على اللّه أن يبعث إليك رزقك على يدي من لا تحتسب فإن اشتغلت بالتقوى والتوكل شاهدت بالتجربة مصداق قوله تعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
[ الطلاق : 2 ، 3 ] الآية . إلا أنه لم يتكفل له أن يرزقه لحم الطير ولذائذ الأطعمة ، فما ضمن إلا الرزق الذي تدوم به حياته ، وهذا المضمون مبذول لكل من اشتغل بالضامن واطمأن إلى ضمانه ، فإن الذي أحاط به تدبير اللّه من الأسباب الخفية للرزق أعظم مما ظهر للخلق ، بل مداخل الرزق لا تحصى ومجاريه لا يهتدى إليها ، وذلك لأن ظهوره على الأرض وسببه في السماء قال تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
[ الذاريات : 22 ] وأسرار
شرح
عن وجود المقام ذوقا وإفلاس عن الإيمان به علما ) أي : فإن لم تكن من الذائقين لهذا المقام فأقل الدرجات أن تكون من المصدقين له علما ومعرفة ، ( فإذا عليك بالقناعة بالنزر اليسير ) مما هو في يديك ( والرضا بالقوت ) المتيسر ( فإنه سيأتيك لا محالة وإن فررت منه ) ، ولذلك قال علي رضي اللّه عنه : الرزق رزقان : رزق يطلبك ورزق تطلبه فسره بعض العلماء فقال : الرزق الذي يطلبك هو رزق الغذاء ، والرزق الذي تطلبه رزق التملك وهو طلب فضول القوت . ( وعند ذلك على اللّه أن يبعث إليك رزقك على يد من لا تحتسب فإن اشتغلت بالتقوى والتوكل شاهدت بالتجربة مصداق قوله تعالى :وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) تمامهاوَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً. أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال في قوله تعالى :يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاًأي أن يعلم أنه قبل اللّه وأن اللّه هو الذي يعطيه وهو يمنعه وهو يبتليه وهو يعافيه وهو يدفع عنه . وقوله : ولا يحتسب يقول من حيث لا يدري . وأخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب من طريق ابن مسروق مثله . والآية نزلت في رجل من أشجع كان أسر ابنه فشكا أبوه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « اتق اللّه واصبر » فلم يلبث حتى جاء ابنه وإستاق غنم العدوّ . وفي رواية قال له صلّى اللّه عليه وسلم : « أن اكتب إليه » يعني ابنه ومره بالتقوى والتوكل على اللّه . ( إلا أنه ) تعالى ( لم يتكفل له أن يرزقه لحم الطير ولذائذ الأطعمة ) وغيرها من فضول الأقوات ، ( فما ضمن إلا الرزق الذي تدوم به حياته ) وهو الرزق الطالب ، ( وهذا المضمون مبذول لكل من اشتغل بالضامن ) جل جلاله ( واطمأن إلى ضمانه ) وسكن إليه قلبه ، ( فإذا الذي أحاط به تدبير اللّه من الأسباب الخفية للرزق أعظم مما ظهر للخلق ، بل مداخل الرزق لا تحصى ومجاريه لا يهتدى إليها وذلك لأن ظهوره على الأرض ) وهي من عالم الملك ( وسببه في السماء ) وهي من عالم الملكوت . ( قال اللّه تعالى :وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما