الاضطراب وإنما يحصل نادرا وفي النادر أيضا قد يحصل بغير اضطراب . فأثر الاضطراب ضعيف عند من انفتحت بصيرته ، فلذلك لا يطمئن إلى اضطرابه بل إلى مدبر الملك والملكوت تدبيرا لا يجاوز عبد من عباده رزقه وإن سكن إلا نادرا ندورا عظيما يتصوّر مثله في حق المضطرب ، فإذا انكشفت هذه الأمور وكان معه قوّة في القلب وشجاعة في النفس أثمر ما قاله الحسن البصري رحمه اللّه إذ قال : وددت أن أهل البصرة في عيالي وأن حبة بدينار . وقال وهيب بن الورد : لو كان السماء نحاسا والأرض رصاصا واهتممت برزقي لظننت أني مشرك . فإذا فهمت هذه الأمور فهمت أن التوكل مقام مفهوم في نفسه ، ويمكن الوصول إليه لمن قهر نفسه ، وعلمت أن من أنكر أصل التوكل وإمكانه أنكره عن جهل ، فإياك أن تجمع بين الإفلاسين : الإفلاس عن وجود المقام
شرح
وفي النادر أيضا قد يحصل بغير اضطراب فأثر الاضطراب ضعيف عند من انفتحت بصيرته ؛ فلذلك لا يطمئن إلى اضطرابه بل إلى مدبر الملك والملكوت تدبيرا لا يجاوز عبدا من عباده رزقه وإن سكن إلا نادرا ندورا عظيما يتصور مثله في حق المضطرب ، فإذا انكشفت هذه الأمور وكان معه قوة في القلب وشجاعة في النفس أثمر ما قاله الحسن البصري رحمه اللّه تعالى إذ قال : وددت أن أهل البصرة في عيالي وأن حبة بدينار ) نقله صاحب القوت . قال : وهذا من نهاية التوكل وليس ذلك إلا في تسليم الأحكام والرضا بها كيف جرت بهم لأن هذا قد جاوز العقول فلعل يطعمهم الموت . ( وقال ) أبو أمية ( وهيب بن الورد ) المكي يقال اسمه عبد الوهاب رحمه اللّه تعالى : ( لو كانت السماء نحاسا والأرض رصاصا واهتممت برزقي لظننت أني مشرك ) .
ولفظ القوت : وروينا عن سفيان عن وهيب بن الورد : لو أن السماء لم تمطر والأرض لم تنبت ثم اهتممت بشيء من رزقي لظننت أني كافر . وفي رواية عن وهيب : منذ أربعين سنة لو كانت السماء رصاصا والأرض نحاسا لم أهتم برزقي ولو اهتممت به لظننت أني مشرك . وقال بعض أهل المعرفة : قد صدق وهيب لو أن الهم داخل عليه في تصديقه كان الشك قد نقص تصديقه ، وكان يكون شاكا لأنه ليس من صحة التصديق والصدق الاهتمام بالرزق لأن الرزق جزء من مائة جزء قد وقع تصديق المؤمن به ، فمن لم يصح تصديقه في هذا الجزء الواحد لم يصح في سائر الأجزاء .
قال : والتصديق مقتضى السكون والطمأنينة والنفس تدعو إلى الحركة طمعا في استعجال أخذ الأسباب ، فمن كان محققا لتصديقه بالسكون انصرف عن إجابة داعي النفس بالحركة إلى السكون الذي يقتضي منه التصديق وشغل قلبه بالعمل في تصحيح تصديقه .
( فإذا فهمت هذا فهمت أن التوكل مقام ) شريف ( مفهوم في نفسه ويمكن الوصول إليه لمن قهر نفسه ) وروّضها بالتدريج على الصبر على المكاره ، ( وعلمت أن من أنكر أصل التوكل وإمكانه ) إنما ( أنكر عن جهل ) به عنه ، ( فإياك أن تجمع بين الإفلاسين إفلاس