فإن قلت : الناس يكفلون اليتيم لأنهم يرونه عاجزا بصباه ، وأما هذا فبالغ قادر على الكسب فلا يلتفتون إليه ، ويقولون هو مثلنا فليجتهد لنفسه ؟
فأقول : إن كان هذا القادر بطّالا فقد صدقوا فعليه الكسب ولا معنى للتوكل في حقه ، فإن التوكل مقام من مقامات الدين يستعان به على التفرغ للّه تعالى فما للبطال والتوكل وإن كان مشتغلا باللّه ملازما لمسجد أو بيت وهو مواظب على العلم والعبادة فالناس لا يلومونه في ترك الكسب ولا يكلفونه ذلك بل اشتغاله باللّه تعالى يقرر حبه في قلوب الناس حتى يحملون إليه فوق كفايته ، وإنما عليه أن لا يغلق الباب ولا يهرب إلى جبل من بين الناس ، وما رؤي إلى الآن عالم أو عابد استغرق الأوقات باللّه تعالى وهو في
شرح
قوله : سيان بالكسر وتشديد التحتية أي مستويان ، والغشاوة اسم الجلد الذي يكون على الجنين وهي المشيمة ، وقد وجد البيتان هكذا بخط النووي في هامش كتابه مختصر علوم الحديث ، وقد كتب علي بن العز الحنفي بخطه على قوله بما يكون مسلم ، وعلى قوله والسكون لا نسلم ، وعلى قوله لرزق لا نسلم ، وعلى قوله والجنين مسلم ، ثم عارض ذلك بأبيات وهي هذه :ينال الرزق في وقت بسعي * وفي وقت بلا سعي يكون
وكسب الرزق نوع منه فرض * فلا تجنح إلى كسل يشين
بمشي في مناكبها أمرنا * وفي تغدو خماصا تستبين
جرى قلم القضاء بكل هذا * وفي كل ميسر اليقين
ومن إياك نعبد خذ دليلا * وقل إياك أيضا نستعين
ومن قاس القوي على ضعيف * كمن قاس الصديق بمن يمين
فسل من ربك التوفيق واحرص * على ما فيه نفعك مستبين
وكن متوكلا مع فعل ما قد * أمرت به وذا دنيا ودين( فإن قلت : الناس يكفلون اليتيم لأنهم يرونه عاجزا بصباه ) عن الاضطراب ، ( وأما هذا فبالغ قادر على الكسب ، فلا يلتفتون إليه ويقولون هو مثلنا ) وقوته كقوتنا ( فليجتهد لنفسه ) وليكتسب . ( فأقول : إن كان هذا القادر بطالا ) فارغا ( فقد صدقوا فعليه الكسب ولا معنى للتوكل في حقه ) ولا للسؤال ، ( فإن التوكل مقام ) عظيم ( من جملة مقامات الدين ) ومنشؤه من خالص اليقين ( يستعان به على التفرغ للّه تعالى فما للبطال والتوكل ) ليس هو من رجاله ( وإن كان مشتغلا باللّه ملازما لمسجد أو بيت وهو مواظب على العلم والعبادة فالناس لا يلومونه في ترك الكسب ولا يكلفونه ذلك بل اشتغاله باللّه تعالى يقرر حبه في قلوب الناس ) ويثبته ( حتى يحملوا إليه مؤن كفايته ، وإنما عليه أن لا يغلق الباب ولا يهرب إلى جبل من بين الناس ) من المشاهد ، ( وما رؤي إلى الآن عالم أو