لئلا يقع فيه أحد ، فأتوا بقصب وبارية وطموا رأس البئر ، فهممت أن أصيح فقلت في نفسي : إلى من أصيح هو أقرب منهما وسكنت ، فبينا أنا بعد ساعة إذ أنا بشيء جاء وكشف عن رأس البئر وأدلى رجله وكأنه يقول : تعلق بي في همهمة له كنت أعرف ذلك ، فتعلقت به فأخرجني فإذا هو سبع فمر وهتف بي هاتف : يا أبا حمزة أليس هذا أحسن ، نجيناك من التلف بالتلف ، فمشيت وأنا أقول :
نهاني حيائي منك أن اكشف الهوى * وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف
تلطفت في أمري فأبديت شاهدي * إلى غائبي واللطف يدرك باللطف
تراءيت لي بالغيب حتى كأنما * تبشرني بالغيب أنك في الكف
أراك وبي من هيبتي لك وحشة * فتؤنسني باللطف منك وبالعطف
وتحيي محبا أنت في الحبّ حتفه * وذا عجب كون الحياة مع الحتف
شرح
فاتوا ) كذا في النسخ وكذا هو في الرسالة والأولى فأتيا ، أو يحتمل أن يكون معهما غيرهما كالخادم لهما ( بقصب ) فارسي ( وبارية ) أي حصير ( وطمّوا ) أي سدوا رأس البئر ( فهممت أن أصيح ) من داخل البئر فيسمعوا صوتي فيخرجوني منها ، ( فقلت في نفسي : إلى من أصيح هو أقرب منهما ) وفي نسخة : أصيح إلى من هو أقرب منهما ، وفي أخرى أشكو بدل أصيح ، ( وسكنت ) أي حصل لي السكون والاطمئنان ، وفي نسخة : سكت ، ( فبينا أنا بعد ساعة ) وقد ذهب الرجلان ( إذ أنا بشيء جاء وكشف رأس البئر وأدلى رجله ) فيها ( وكأنه يقول :
تعلق بي في همهمة ) أي صوت خفي ( له كنت أعرف ذلك منه ) أي فهمت منها أنه يقول :
تعلق بي ، ( فتعلقت به فأخرجني فإذا هو سبع ) سخره اللّه لي ، ( فمرّ ) أي جاوزني ( وهتف بي هاتف ) فقال : ( يا أبا حمزة أليس هذا أحسن ) من نجاتك قبل طم رأس البئر ، ( إن نجيناك من التلف ) أي من الهلاك ( بالتلف ) أي المتلف ( فمشيت وأنا أقول ) :( نهاني حيائي منك أن أكتم الهوى * وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف
تلطفت في أمري فأبديت شاهدي * إلى غائبي واللطف يدرك باللطف )أي : أبديت حالي الحاضر لحالي الغائب عني .( تراءيت لي بالغيب حتى كأنما * تبشرني بالغيب أنك في الكف
أراك وبي من هيبتي لك وحشة * فتؤنسني باللطف منك وبالعطف
وتحيي محبا أنت في الحب حتفه * وذا عجب كون الحياة مع الحتف )فالعبد لا يعيش مع مولاه حتى يموت عن أغراض نفسه وهواه والغرض من جملة الأبيات أن اللّه تعالى يرى العبد من عجائب قدرته ولطفه ما يغنيه عن فكره وكشفه ومن الحكاية السابقة يرى المتوكل أن الأفعال كلها للّه تعالى ، فإنه المحرك له والمسكن له ، وقد كان قادرا على أن يحفظ هذا