تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
وقيل : كان في الزمان الأول رجل في سفر ومعه قرص فقال : إن أكلته مت ، فوكّل اللّه عز وجل به ملكا وقال : إن أكله فارزقه وإن لم يأكله فلا تعطه غيره ، فلم يزل القرص معه إلى أن مات ولم يأكله وبقي القرص عنده . وقال أبو سعيد الخراز : دخلت البادية بغير زاد فأصابتني فاقة ، فرأيت المرحلة من بعيد فسررت بأن وصلت ، ثم فكرت في نفسي أني سكنت واتكلت على غيره وآليت أن لا أدخل المرحلة إلا أن أحمل إليها فحفرت لنفسي في الرمل حفرة وواريت جسدي فيها إلى صدري ، فسمعت صوتا في نصف الليل عاليا : يا أهل المرحلة ، إن للّه تعالى وليا حبس نفسه في هذا الرمل فألحقوه ، فجاء جماعة فأخرجوني وحملوني إلى القرية .
شرح
اللّه تعالى لطيف بمن يتوكل عليه ويقضي حوائجه وهو لا يشعر ، فإنه تعالى لما علم حاجة بنان إلى من يخدمه لعجزه وعلم بذلك أصحابه واشتغلوا بتدبير أمره ألقى اللّه في قلب تلك المرأة بسمرقند إرسال الجارية إليه ، وهذه أيضا أوردها القشيري في الرسالة . ( وقيل : كان في الزمان الأول رجل في سفر ومعه قرص فقال : إن أكلته مت ) جوعا ، ( فوكّل اللّه عز وجل به ملكا وقال : إن أكله فارزقه ) غيره ، ( وإن لم يأكله فلا تعطه شيئا غيره ، فلم يزل القرص معه إلى أن مات ولم يأكله وبقي القرص عنده ) ، فيه دلالة على التحذير من الحرص على الحاصل ، وأقبح الحرص حرص العبد على الشيء حتى لا ينتفع به في نفسه ، فضلا عن غيره من المحتاجين إليه كما هنا . وهذه الحكاية أيضا أوردها القشيري في الرسالة ، وفائدتها أن الحق تعالى إنما ضمن الكفاية للمحتاج ، وهذا قد أغناه بالقرص فاعتمد عليه فقد تسبب في إهلاكه نفسه بحرصه عليه ، وفيه تنبيه على أن المتوكل يكون وثوقه بما في يد اللّه أوثق مما في يديه . ( وقال أبو سعيد ) أحمد بن عيسى ( الخراز ) البغدادي المتوفي سنة 277 : ( دخلت البادية ) مرة ( بغير زاد ) لأصحح توكلي ( فأصابتني ) فيها ( فاقه ) أي جوع شديد ، ( فرأيت المرحلة ) أي القرية ( من بعيد فسررت بأني ) قد ( وصلت ) أي بقرب وصلي لها ، ( ثم فكرت في نفسي أني سكنت ) أي حصل في هذا السرور سكون ( واتكلت على غيره ) تعالى في تحصيل ما أنا محتاج إليه ، فعزمت على مخالفة نفسي ( وآليت أن لا أدخل المرحلة ) أي حلفت أن لا أدخلها ( إلا أن أحمل عليها ، فحفرت لنفسي حفيرة وواريت فيها جسدي إلى صدري ) تأديبا للنفس وتوبيخا لها ، ( فسمعت ) وفي نسخة فسمعوا ( صوتا في نصف الليل عاليا ) يقول : ( يا أهل المرحلة إن للّه تعالى وليا حبس نفسه في هذا الرمل فالحقوه ، فجاء جماعة ) ممن سمع الصوت ( فأخرجوني وحملوني إلى القرية ) فقوي بذلك يقيني وتمكن توكلي على ربي ، وهذا وأمثاله يفعلون ذلك لتعلم اليقين ، وهو أن يغلب على القلب أن اللّه تعالى على كل شيء قدير ، وفيما ذكر دلالة على مراعاة الوفاء بالعهد مع اللّه فيما عزم عليه العبد من نيل المقامات