تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
تساعده على الصبر على الجوع مدة ، فإن كان لا يطيقه ويضطرب عليه قلبه وتتشوش عليه عبادته لم يجز له التوكل . ولذلك روي أن أبا تراب النخشبي نظر إلى صوفي مدّ يده إلى قشر بطيخ ليأكله بعد ثلاثة أيام فقال له : لا يصلح لك التصوف الزم السوق . أي لا تصوف إلا مع التوكل . ولا يصح التوكل إلا لمن يصبر عن الطعام أكثر من ثلاثة أيام ، وقال أبو علي الروذباري : إذا قال الفقير بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق ومروه بالعمل والكسب ، فإذا بدنه عياله وتوكله فيما يضر ببدنه كتوكله في عياله ، وإنما يفارقه في شيء واحد وهو أن له تكليف نفسه الصبر على الجوع وليس له ذلك في عياله ، وقد انكشف لك من هذا التوكل ليس انقطاعا عن الأسباب ، بل الاعتماد على الصبر على
شرح
عنده ، ولا يجوز له أن يضيعها إلا بأن تساعده على الصبر على الجوع مدة ، فإن كان لا يطيقه ويضطرب عليه قلبه وتتشوّش عليه عبادته لم يجز له التوكل ) . قال إبراهيم الخواص في كتاب التوكل : وليس للعبد أن يحمل حال عياله على حاله إلا أن يكون اختيارهم كاختياره وصبرهم على فقرهم واغتباطهم بضرهم لمعرفتهم بفضل الفقر كمعرفته ، فجائز حينئذ أن يسير بهم سيرته ويسقط عنه الكسب لأجلهم ، لأنهم كهول في الحال مع سقوط المطالبة عنهم له لحقوقهم عليه ، وقد فعل ذلك جماعة من السلف . ( ولذلك روي أن أبا تراب ) عسكر بن حصين ( النخشبي ) نسبة إلى نخشب مدينة بما وراء النهر عربت فقيل لها نسف ، شيخ عصره عالم زاهد ورع متوكل ، روى عن محمد بن عبد اللّه بن نمير ، وعنه محمد بن عبد اللّه بن مصعب وغيره ، مات بالبادية سنة 245 قيل : نهشته السباع . وقال القشيري : صحب حاتما الأصم وأبا حاتم العطار البصري ( نظر إلى صوفي مد يده إلى قشر بطيخ ) مرمي في الطريق ( ليأكله بعد ثلاثة أيام ) لم يأكل فيها شيئا ( فقال له : لا يصلح لك التصوف الزم السوق ) نقله القشيري إلا أنه قال : ألزموه السوق ( أي لا تصوّف إلا مع التوكل ، ولا يصح التوكل إلا لمن يصبر عن الطعام أكثر من ثلاثة أيام ) أي أن حاله ذلك يدل على عدم كمال شغله باللّه وعدم صبره وشدة ميله إلى الطعام ، ومن هذه صفته بقاؤه مع سبب وانتقاله شيئا فشيئا عن عبادته أولى من خروجه عما بيده جملة . ( وقال أبو علي ) أحمد بن محمد ( الروذباري ) البغدادي نزيل مصر والمتوفي بها سنة 322 ، أخذ في التصوف عن الجنيد ، وشيخه في الفقه أبو العباس بن سريج ، وفي الأب ثعلب ، وفي الحديث إبراهيم الحربي ( إذا قال الفقير بعد خمسة أيام أنا جائع فالزموه السوق ومروه بالعمل والكسب ) نقله القشيري في الرسالة ، ( فإذا بدنه عياله ) أي بمنزلة عياله ( فتوكله فيما يضر ببدنه كتوكله في عياله ، وإنما يفارقه في شيء ) واحد ( وهو أن له تكليف نفسه الصبر على الجوع وليس له ذلك في عياله ) إلا أن وافق اختيارهم اختياره فيكونون كهو فيما سبق ، ( وقد انكشف لك من هذا أن التوكل ليس انقطاعا عن الأسباب ) كما أنه ليس تلبسا بها ،