تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
وحكي عن بنان الحمال قال : كنت في طريق مكة أجيء من مصر ومعي زاد فجاءتني امرأة وقالت لي : يا بنان أنت حمال تحمل على ظهرك الزاد وتتوهم أنه لا يرزقك ، قال : فرميت بزادي ثم أتى علي ثلاث لم آكل ، فوجدت خلخالا في الطريق فقلت في نفسي : احمله حتى يجيء صاحبه فربما يعطيني شيئا فأرده عليه ، فإذا أنا بتلك المرأة فقالت لي : أنت تاجر تقول عسى يجيء صاحبه فآخذ منه شيئا ! ثم رمت لي شيئا من الدراهم وقالت : أنفقها فاكتفيت بها إلى قريب مكة . وحكي أن بنانا احتاج إلى جارية تخدمه ، فانبسط إلى إخوانه فجمعوا له ثمنها وقالوا : هو ذا يجيء النفير فنشتري ما يوافق ، فلما ورد النفير اجتمع رأيهم على واحدة وقالوا : إنها تصلح له ، فقالوا لصاحبها : بكم هذه ؟ فقال : إنها ليست للبيع فألحوا عليه ، فقال : إنها لبنان الحمّال أهدتها إليه امرأة من سمرقند فحملت إلى بنان وذكرت له القصة .
شرح
( وحكي عن أبي ) الحسن ( بنان بن محمد ) الحمال الواسطي نزيل مصر والمتوفي بها سنة 310 أنه ( قال : كنت في طريق مكة أجيء من مصر ومعي زاد ) حملته معي ، ( فجاءتني امرأة ) وكانت ولية مكاشفة أدبني اللّه بها لزعمي أني تمكنت في التوكل وقد حملت الزاد ، ( و ) ذلك أنها ( قالت : يا بنان أنت حمال تحمل على ظهرك الزاد وتتوهم ) في نفسك ( أنه لا يرزقك ) بدونه ( قال ) : فتنبهت من قولها ( فرميت بزادي ) ومشيت على قدم التوكل ، ( ثم أتى علي ثلاث ) من الأيام ( لم آكل ) فيها شيئا ( فوجدت خلخالا ) بالفتح مرميا ( في الطريق فقلت في نفسي : أحمله حتى يجيء صاحبه فربما يعطيني شيئا فأردّه عليه ، فإذا أنا بتلك المرأة ) قد ظهرت لي ( فقالت لي : أنت تاجر تقول ) في الخلخال ( عسى يجيء صاحبه فآخذ منه شيئا » ) وادفع له خلخاله ولم لا تدفعه له فلا تأخذ منه شيئا ، ( ثم رمت لي شيئا من الدراهم وقالت : انفقها ) على نفسك ( فاكتفيت ) أي فأخذتها واكتفيت ( بها إلى قريب ) من ( مكة ) وفي بعض النسخ إلى قريب من مصر فأدب بنان مع علو رتبته مرتين ، بالمرأة الأولى إنكارها عليه حمل الزاد مع زعمه التمكن في التوكل ، والثانية قولها له أنت تاجر الخ واعانتها له على حاله بما أعطته له من الدراهم ، وهذه الحكاية أيضا أوردها القشيري في الرسالة . ( وحكي ) أيضا ( أن بنانا ) المذكور رحمه اللّه تعالى ( احتاج إلى جارية تخدمه فانبسط إلى إخوانه ) في تحصيلها له ، ( فجمعوا له ثمنها وقالوا : هو ذا ) ثمنا احفظه عندك وحيث ( تجيء النفر ) الذين يبيعون الجواري ، ( فنشتري ) لك ( ما يوافق ) غرضك ، ( فلما ورد النفر ) عليهم ( اجتمع رأيهم على واحدة ) منهن ( وقالوا : إنها تصلح له ، فقالوا لصاحبها : بكم هذه ؟ فقال : إنها أمانة وليست للبيع ، فالحوا عليه ) في مساومتها ( فقال : إنها لبنان الحمّال أهدتها إليه امرأة من سمرقند فحملت إلى بنان وذكرت له ) هذه ( القصة ) ففيه دلالة على أن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 193 | مرتضى الزبيدي