على الغرق ، فنذرت أن خلصني اللّه تعالى أن أتصدق بهذه على أول من يقع عليه بصري من المجاورين ، وأنت أول من لقيته فقلت : افتحها ، ففتحها فإذا فيها سميد مصري ولوز مقشور وسكر كعاب ، فقبضت قبضة من ذا وقبضة من ذا وقلت : ردّ الباقي إلى أصحابك هدية مني إليكم ، وقد قبلتها ، ثم قلت في نفسي : رزقك يسير إليك من عشرة أيام وأنت تطلبه من الوادي .
وقال ممشاد الدينوري : كان علي دين فاشتغل قلبي بسببه ، فرأيت في النوم كأن قائلا يقول : يا بخيل أخذت علينا هذا المقدار من الدين خذ عليك الأخذ وعلينا العطاء ، فما حاسبت بعد ذلك بقالا ولا قصابا ولا غيرهما .
شرح
الغرق ) من تعاصيف الرياح ونذر كل واحد منا إن خلصنا اللّه تعالى أن يتصدق بشيء ، ( فنذرت ) أنا ( إن خلصني اللّه تعالى أن أتصدق بهذه ) القمطرة ( على أول من يقع عليه بصري من المجاورين ) بالحرم ، ( وأنت أول من لقيته فقلت : افتحها ففتحها فإذا فيها ) كعك ( سميد مصري ) من خالص لباب البر ، ( ولوز مقشور وكسر كعاب ) أي عقد ، ( فقبضت قبضة من ذا وقبضة من ذا وقلت ) له : ( ردّ الباقي إلى صبيانك ) هو ( هدية مني إليكم ) أي لصبيانكم ، ( وقد قبلتها ) بما فيها قبل هديتي للباقي ، ( ثم قلت في نفسي رزقك يسير إليك من عشرة أيام وأنت تطلبه من الوادي ) حاصل ذلك أنه لما شرفت همته وألقى السلجمة ثم رجع إلى الحرم مؤدبا نفسه في عدم صبرها عن الطعام وفي شرهها معتمدا على اللّه بأن يأتيه بما هو أشرف وأطيب من السلجمة أتاه العجمي بالقمطرة وأعلمه بسبب نذره منذ عشرة أيام فوبخ نفسه وقال لها : يسوق لك رزقك الطيب منذ عشرة أيام وأنت تطلبيه من الوادي ، ثم أمسك نفسه عن قبولها بشره ، وقال للعجمي : افتحها فلما فتحها ووجد ما فيها مما ذكر لم يأخذها كلها بل أخذ منها ما رد جوعه في الوقت وقال له : قد قبلتها وفاء بنذرك ووهبت الباقي منها لصبيانك ، وهذا كمال في كسر النفس مع شدة الحاجة إلى الطعام ورفع الهمة والاعتماد على اللّه في أن يأتي له بمثله أو بأرفع منه عند الحاجة ، وهذه الحكاية أوردها القشيري في الرسالة .
( وقال ) أبو الحسن ( ممشاد الدينوري ) رحمه اللّه تعالى : ( كان عليّ دين ) لزمني في طاعة ( فاشتغل ) به ( قلبي فرأيت في النوم كأن قائلا يقول : يا بخيل أخذت علينا هذا المقدار من الدين خذ ) ولا تبال ( عليك الأخذ وعلينا العطاء ) قال : ( فما حاسبت بعد ذلك بقالا ولا قصابا ولا غيرهم ) كذا في النسخ ، وفي بعضها ولا غيرهما ، وذلك أن من عامله عرف حاله وأنه لا مال له ، وأن معاملته محض خير ، وإنما عامله على أنه إذا فتح اللّه عليه بشيء أتاهم به ، ونبه في الرؤيا على أن اللّه تعالى إذا لم يقض الدين عنه في الدنيا ارضى عنه أربابه في الآخرة لأنه التزمه لوجهه كالإفتراض للفقراء . وهذه الحكاية أوردها كذلك القشيري قال : سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : كنت عند ممشاد الدينوري فجرى حديث الدين فقال : كان علي دين فساقها .