تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
أين تأكل ؟ فقال : يا شيخ اصبر حتى أعيد الصلاة التي صليتها خلفك ثم أجيبك . وينفع في حسن الظن بمجيء الرزق من فضل اللّه تعالى بواسطة الأسباب الخفية : أن تسمع الحكايات التي فيها عجائب صنع اللّه تعالى في وصول الرزق إلى صاحبه ، وفيها عجائب قهر اللّه تعالى في إهلاك أموال التجار والأغنياء وقتلهم جوعا ، كما روي عن حذيفة المرعشي وقد كان خدم إبراهيم بن أدهم فقيل له : ما أعجب ما رأيت منه ؟ فقال : بقينا في طريق مكة أياما لم نجد طعاما ، ثم دخلنا الكوفة فأوينا إلى مسجد خراب ، فنظر إليّ إبراهيم وقال : يا حذيفة ، أرى بك الجوع فقلت : هو ما رأى الشيخ . فقال : علي بدواة وقرطاس ، فجئت به فكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أنت المقصود إليه بكل حال والمشار إليه بكل معنى وكتب شعرا :
شرح
( وقال إمام المسجد لبعض المصلين ) الذين يصلون وراءه وقد رآه في زي غير مكتسب : ( من أين تأكل ) يا فلان ؟ ( فقال ) له : ( يا شيخ اصبر حتى أعيد الصلاة التي صليتها خلفك ثم أجيبك ) كذا في القوت . وساقه ابن عطاء اللّه في التنوير بلفظ : إن رجلا صلّى خلف الإمام أياما فقال له الإمام يوما وتعجب من ملازمته وتركه الأسباب : من أين تأكل ؟ فقال : قف حتى أعيد صلاتي فأني لا أصلي خلف من شك في قسمة اللّه تعالى . ( وينفع في حسن الظن بمجيء الرزق من فضل اللّه تعالى بواسطة الأسباب الخفية أن ) تنظر إلى حالة نفسك وقيام الرب تعالى بك من حالة إلى حالة من وقت تكوّنك من نطفة إلى خروجك من المشيمة ، واغتذائك بلبن أمك إلى تسخير الخلق لك ، إلى حالة البلوغ ، فحالك بعد البلوغ كحال في أول أمرك في الكفاية والتسخير ، ولا يصدك عن ذلك إلا رجوع النفس إلى تدبيرها وحولها وقوتها ، وقد كانت قبل ذلك لا تدبير لها ولا حول ولا قوة ، والفكر في مثل هذا بحر لا ساحل له ، ثم تكرر على سمعك ، ما ورد من الأخبار والآيات والآثار ، ثم ( تسمع الحكايات ) المنسوبة للمتوكلين والمنقطعين إلى اللّه تعالى الدالة على كمال أحوالهم ، و ( التي فيها عجائب صنع اللّه تعالى ) بهم وسعة برّه عليهم ( في وصول الرزق إلى صاحبه ) بواسطة انقطاعه إلى اللّه تعالى ( وفيها عجائب قهر اللّه في إهلاك أموال التجار والأغنياء وقتلهم جوعا ، كما روي عن حذيفة ) بن قتادة ( المرعشي ) شيخ هبيرة البصري ، ( وقد كان خدم إبراهيم بن أدهم ) رحمه اللّه تعالى ( فقال له : ما أعجب ما رأيت منه ! فقال : بقينا ) معه ( في طريق مكة أياما لم نجد طعاما ) نأكله ، ( ثم دخلنا الكوفة فأوينا إلى مسجد خراب ، فنظر إلى إبراهيم وقال : يا حذيفة أرى بك ) أثر ( الجوع : فقلت : هو ما رأى الشيخ . فقال عليّ ) أي جئني ( بدواة وقرطاس فجئت به فكتب ) في القرطاس ما يحقق مقام التوكل مع تعاطي الأسباب ، وهو ( بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أنت المقصود إليه في كل حال المشار إليه بكل معنى ) كما قيل :
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 189 | مرتضى الزبيدي