تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
فإن قلت : فما علامة عدم اتكاله على البضاعة والكفاية ؟ فأقول : علامته أنه إن سرقت بضاعته أو خسرت تجارته أو تعوق أمر من أموره كان راضيا به ولم تبطل طمأنينته ولم يضطرب قلبه ، بل كان حال قلبه في السكون قبله وبعده واحدا ، فإن من لم يسكن إلى شيء لم يضطرب لفقده ، ومن اضطرب لفقد شيء فقد سكن إليه . وكان بشر يعمل المغازل فتركها ، وذلك لأن البعادي كاتبه قال : بلغني أنك
شرح
وكفايته كان متوكلا ) قال الخواص : دخول الآفات ومساكنتها لقصور علم أو غلبة هوى يخرج العبد من التوكل ، وهو أن يكون متوكلا على الناس بأن يطمع فيهم أو يتصدى لهم بالتعرض والتصنع ، أو يكون متوكلا على صحة جسمه ودوام قوته وأنه لا يرزق إلا من كده أو يكون متوكلا على ماله بأن يثق به أو يطمئن إليه ، ويحسب أنه إن افتقر انقطع رزقه ، أو يكون متوكلا على جاهه ومنزلته عند الناس أو على ديانته وأنه معروف بالصلاح ، أو على أنه لا يرزق إلا من أجل تقواه ونحوه بأن يتوكل على علمه وما يعرف الناس من فضله ، فهذه المعاني كلها تخرج من كل التوكل وقد تخفى دقائقها وتدق خفاياها ويقع الوهم بمن وقعت به أنه من المتوكلين على الوكيل أو الناظرين إلى القريب الكفيل ، وإنما يفطن لذلك جهابذة العلماء الراسخون وسماسرة الصادقين الزاهدون المتصوف بالعلم ، المنورون باليقين ، القائمون على الدوام بالشهادة ، الناكبون عن مألوف النفس والعادة ، فمن نظر إلى هذه المعاني من الأسباب والأشخاص أو سكن إليها سكون أنس فيقوى قلبه بوجودها ، فإنه يضطرب ويستوحش أو يضعف قلبه لفقدها وذلك كله علة في توكله . ( فإن قلت : فما علامة عدم اتكاله على البضاعة والكفاية ) . ( فأقول : علامته أنه إن سرقت بضاعته أو خسرت تجارته أو تعوّق أمر من أموره كان راضيا به ) مشاهدا فعل مولاه به ( ولم تبطل طمأنينته ولم يضطرب قلبه ، كان حال قلبه في السكون قبله وبعده واحدا ) على السواء ، ( فإن من لم يسكن إلى شيء ) سكون أنس ( لم يضطرب بفقده ومن اضطرب لفقد شيء فقد سكن إليه ) وأنس به ، وإليه يشير قول الشاعر :ومن سره أن لا يجد ما يسوءه * فلا يتخذ شيئا يخاف له فقداأي : لا يسكن إلى شيء هو يفقد عنه فيضطرب قلبه لفقده ، ( و ) قد ( كان بشر ) بن الحرث الحافي رحمه اللّه تعالى يتكلم في الحلال ويشدد فيه فقيل له : يا أبا نصر فأنت من أين تأكل ؟ فقال : من حيث تأكلون ، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك . وقال مرة : ولكن يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة . وكان رحمه اللّه تعالى ( يعمل المغازل ) يتسبب بها ( فتركه ) أي العمل وفي نسخة فتركها أي المغازل ، ( وذلك ) أي كان سبب تركه ( لأن البعادي ) هكذا في النسخ وفي نسخة بالغين المعجمة وفي أخرى بالقاف ولم يتضح لي وجه